الدستور واللجنة الدستورية…لماذا الآن؟

إعداد عبير حسين

” ناشطة إنسانية وحقوقية في الثورة السورية” تهتم بقضايا وحقوق المرأة

هل ثورتنا لأجل لجنة دستورية ؟

هل قمنا بالثورة من أجل تغيير دستور ؟

سؤال طرحه ويطرحه كل السوريين الذين قاموا بثورة ضد نظام الأسد، لماذا يتم العمل الحثيث وبذل الجهد والضغط من جميع الأطراف للعمل على صياغة دستور جديد للبلاد؟! بينما يتم تجاهل باقي السلال التي من المفترض أن المفاوضات تعمل عليها (الانتقال السياسي، الانتخابات ، مكافحة الارهاب)

وإجراءات بناء الثقة في القرار 2254 وعلى رأسها “المعتقلون” لم يتم التقدم به أبدا, ولم يكن في نية روسيا وإيران (وهما الدولتان الضامنتان )أبدا الضغط على نظام الأسد من أجل الإفراج عن المعتقلين , رغم الوعود التي بناء عليها قامت العديد من الجهات والهيئات الحقوقية السورية بكافة أعمال التوثيق اللازمة لأجل ذلك, ولكن دون جدوى.

وملف المساعدات الإنسانية, لم يتم إدخال الكميات المطلوبة والمناسبة إلى المناطق التي كانت تحت الحصار, وما تم إدخاله لم يصل إلى حد 10بالمئة فقط من الكميات المطلوبة , ناهيك عن المساعدات الفاسدة التي أدخلت كما حصل في الغوطة الشرقية على سبيل المثال، وتسببت بالعديد من حالات التسمم آنذاك, إضافة إلى قيام نظام الأسد بمصادرة الحليب وبعض الأدوية الضرورية من القافلات التي توجهت إلى الغوطة الشرقية, تحت مرأى ومسمع الأمم المتحدة.

اما مكافحة الإرهاب فهو قضية بحد ذاته, فكأنما أُغفل عمدا, أو أنه وُضع ضمن السلال فقط  من أجل المماطلة وكسب الوقت, علما أننا جميعا إرهابيين (وفق تصريحات سابقة لروسيا) حيث اعتبرت أن كل من حمل السلاح ضد نظام الأسد يعتبر  إرهابي, فوجود هذا الملف هنا لا زال إشكالية كبيرة.

فالملفات الثلاث لم يتم العمل بها وفق المطلوب، ولم تقم الدول الضامنة بواجبها حيال تلك الملفات، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل مجددا…لماذا الدستور؟

وكيف يمكن وضع دستور لبلاد لم تر النور بعد؟! ولا حتى بصيص أمل بسيط لحل أزمتها لا سياسيا ولا عسكريا, ولم يتسنَ لأي طرف حسم المعركة لصالحه (وهذا مدبر ويعمل عليه منذ بداية الثورة), فالنظام شارف على الانهيار عدة مرات لولا تدخل كل من حزب الله وإيران وروسيا، في الوقت الذي حوربت به الثورة من معظم الدول, فوصلت إلى ما هي عليه من ضعف وتقهقر.

وإذا عدنا قليلا إلى القرار 2254 وما تم إقراره من عملية انتقال سياسي, ومرحلة انتقالية بصلاحيات عديدة من ضمنها الإصلاح الدستوري يكون العمل على الدستور الآن، وفي هذه المرحلة وكأنما يقدم العربة على الحصان.

وهناك خرق واضح لمسار جينيف, وبرعاية أممية, وقد كرّس ديمستورا جل وقته واجتماعاته مؤخرا لإكمال هذا الملف والوصول إلى أسماء المرشحين من الدول الضامنة للبدء بصياغة الدستور بأسرع وقت ممكن, وكأنه يسابق الزمن , خاصة بعد سقوط العديد من المناطق وعودتها إلى سيطرة النظام.

كل ذلك يجعلنا نتأكد أن الدستور الآن إنما هو فخ, مصيدة كبيرة من المصائد التي حيكت لنا ولثورتنا يراد منها إعادة تهيئة النظام, بعد استعادة السيطرة على أغلب المناطق السورية, وما سعي روسيا و إيران إلا لإضفاء الشرعية على احتلالهما للبلد, والحفاظ على ما تم تحقيقه من مكتسبات الحرب التي دخلوها إلى جانب النظام.

لذلك وجب التنبه إلى ما وراء هذا السعي وما يراد تحقيقه من كل ذلك, والتعامل مع هذ الأمر بحذر بحيث لا يؤدي إلى نتائج كارثية تسلب منا ثورتنا وتقضي عليها.

وهذا الأمر منوط بهيئة المفاوضات فقط, على اعتبارها جهة مشاركة بالأمر, هي من يجب عليها أن تقطع الطريق على هذه المحاولة المفضوحة لقتل الثورة, وذلك يكون عبر اختيار من هم كفء لذلك من خبراء وحقوقيين هدفهم حفظ حقنا بالحرية والكرامة.

ويجب التنبه إلى أمر غاية في الأهمية, وهو أن مشكلتنا ليست بالدستور فقط, إنما بالمنظومة الحقوقية كلها, لأن الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في بلدنا قبل الثورة كانت تحكمها مجموعة من القوانين الخاصة إلى جانب الدستور, كان هدفها الوحيد القمع والاستبداد وقتل الحرية والكرامة وتكريس الظلم واستعباد الناس وسلبهم حقهم في العدل والمساواة والكرامة .

فالمنظومة القانونية برمتها تعتبر مشكلة كبيرة وجب التعامل معها , وهيئة المفاوضات هي المسؤولة عن ذلك.

نتمنى ممن تولى الأمر منها ألا يسمح بأن يكون الدستور المنتظر هو الخطوة الأخيرة لقتل ثورتنا, إنما خطوة في طريق استعادتها, وإعادة إحياء القيم التي خرجت لأجلها؛ فثورتنا ثورة قيم قبل كل شيء.

لا يمكن اختزالها بلجنة دستورية.

Share this post

اترك تعليقاً

scroll to top