السبب الثاني – اغتصاب الهالك حافظ الأسد رئاسة سورية ثلاثين عاما ملؤها الطائفية والاستبداد

“هل ثورتنا لتشكيل لجنة دستورية؟”

  السبب ” الثاني “من سلسلة الأسباب غير المباشرة للثورة السورية المباركة:

” اغتصاب الهالك حافظ الأسد رئاسة سورية ثلاثين عاما ملؤها الطائفية والاستبداد “

بقلم العقيد الركن فاتح فهد حسون

 

في 19 تشرين الأول عام 1970 م قاد وزير الدفاع حينها الهالك حافظ الأسد انقلابا حزبيا في صفوف الحزب أسماه “الحركة التصحيحية”، وسلم أحمد الخطيب رئاسة سورية مؤقتا، ثم استلم هو أمانة الحزب في سورية، ثم أمانة القيادة القومية للحزب التي تضم أفرع الحزب في البلاد العربية، ورئيسا لسورية منذ 22شباط 1971م حتى هلاكه في 10 حزيران عام 2000م.

لقد كان حزب البعث العربي الاشتراكي واجهة انطوى ضمنها متطرفو الأقليات والطوائف في سورية بغية التسلط والسيطرة على الأكثرية السنية التي كان يجد حزب البعث أن معتقداتها رجعية وغير منسجمة مع مبادئه وأفكاره. حيث ورد في التوصية الرابعة من التوصيات العامة لمقررات المؤتمر القومي الرابع للحزب : “يعتبر المؤتمر القومي الرابع الرجعية الدينية إحدى المخاطر الأساسية التي تهدد الانطلاقة التقدمية في المرحلة الحاضرة، ولذلك يوصي القيادة القومية بالتركيز في النشاط الثقافي والعمل على علمانية الحزب، خاصة بالأقطار التي تشوه فيها الطائفية العمل السياسي” ، كما أن فيلسوف الحزب “إبراهيم خلاص” كتب في مجلة جيش الشعب السورية في 25/4/1967م : ” والطريق الوحيد لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي هي خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن أن الله والأديان والإقطاع ورأس المال والاستعمار والمتخمين وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمى محنطة في متاحف التاريخ “.

بعد استلام حافظ الأسد أمينا عاما للحزب أنهى الحياة السياسية في سوريا واختزلها بداية بقيادات وفعاليات الحزب، ثم أصبحت أسرة الأسد هي محور السياسة السورية وجوهرها، فقد بدأت مخططاته الطائفية بتوزيع رؤساء الشعب والفروع الأمنية ومثيلاتها على المحافظات بشكل يراعي مخططاته الطائفية، فكان في المدن والمحافظات السنية يوضع ضباط الاستخبارات من الطائفة العلوية أولا، والدروز ثانيا، والإسماعيليين، والمسيحيين ثالثا. وأصبح قبول الضباط في الكليات العسكرية من أبناء الطوائف غير السنية بالآلاف، وبعد تخرجهم يتم تعيينهم في أماكن ومراكز تمنحهم السلطة والوجاهة.

في الوقت الذي ضيق في الكليات العسكرية على قبول أهل السنة، وخاصة منهم المنتمين إلى عائلات مدنية وليست ريفية، وقاموا بتسريح المئات منهم بذرائع مختلفة، حتى باتت نسبة الضباط السنة من أهالي المدن لا تتجاوز 1% من الضباط الخريجين من أي كلية عسكرية على مدار العام، ونسبة الضباط السنة من أهالي الأرياف لا تتجاوز 15 % ، وكذلك اتبعت نفس الخطة حيال صف الضباط والأفراد المتطوعين إنما بشكل أقل تضييقا، وكمثال على ذلك: لم يكن في دورتي العسكرية التي تخرجت من الكلية الجوية عام 1989م والبالغ تعدادها (360) ضابطا أكثر من أربعين ضابطا سنيا، وكنت انا وضابطين آخرين من بينهم من أهل المدن الكبرى.

كما تابع حافظ الأسد وزبانيته المخططون؛ خططهم الطائفية في وزارات ومؤسسات الدولة، فوضعوا الوزارات تحت إشراف السلطة العسكرية أو الأمنية مباشرة، وجعلوا في كل وزارة مسؤول أو مكتب ارتباط مع الجيش أو الأمن، ينتمي غالبا للطائفة العلوية.

لم يكن هذا ديدن حافظ الأسد فقط، بل كان ديدن معظم العلويين الذين سيطروا على حزب البعث من قبله وأوصلوه إلى سدة الحكم كقائد علوي يراعي مصالحهم الطائفية، ويطبق مقولة “فرق تسد” بين الطوائف وغيرها، حيث يقول مطاع الصفدي عن تلك الحقبة: ” لم يترك المخططون البعثيون وسيلة لإضرام حرب طائفية خفية شاملة تغذيها أنواع من التحديات اليومية في كل قطاع، في الجيش ودوائر الدولة، والمدارس، والأحياء، والمعامل، والقرى.. بين الجبل والساحل، بين الريف والمدينة، بين المحافظة والمحافظة، إلا واتبعوها بتدبير وسعة نظر، وتصميم واع رهيب، يستهدف تدمير جميع أسس الحياة الطبيعية في البلاد، بالقضاء على مكتسباتها التقدمية، ومقاييس الحياة الحضارية فيها”.

وللبقاء في سدة الحكم المستبد الذي بقي فيه حافظ الأسد حوالي الثلاثين عاما من خلال مسرحيات تحت مسمى انتخابات، أنشأ خارج المؤسسة العسكرية التي كان مسيطرا عليها بالمطلق قوات تتبع له، “كسرايا الدفاع” بقيادة أخيه رفعت الأسد منفذ مجزرة حماة، والذي اصطدم معه لاحقا، وكذلك “القوات الخاصة” بقيادة اللواء علي حيدر، و”الكتائب الأمنية” الخاصة به. فقد كان متأكدا بأن حزب البعث بأفكاره العلمانية الإلحادية، وسيطرة الطائفة العلوية عليه وعلى مؤسسات ووزارات الدولة لن يكون مقبولا ولا مسكوتا عنه من قبل الشعب السوري ذي السواد السني، والذي بدأ بالتحرك بشكل جدي وفعال ضد الأسد بمظاهرات عام 1979م، وباحتجاجات متتالية قابلها حافظ الأسد وزبانيته بالقتل والمجازر والاعتقال والتهجير.

اترك تعليقاً

scroll to top