لاجئة وسلة غذائية                                                                              

إعداد نجوى العلي

■ يسلط المقال الضوء على إحدى صور المعاناة للمرأة السورية في مخيمات اللجوء، وتقاعس المنظمات الإنسانية الدولية عن مساعدتها أو السماح لتكرار صور وتصرفات تتناقلها وسائل الإعلام تشعرها بالمهانة والاستغلال.

■ تمارس في مخيمات اللجوء انتهاكات كثيرة وواضحة بحق المرأة السورية، لتنتقص من كرامتها وأنوثتها وكيانها، وتحطم داخلها كل أمل في الحياة والعيش الكريم، فكلمة مخيمات تكاد لا تغيب عن أي اجتماع أو مؤتمر أو مناسبة أو محفل دولي أو فندق فاخر في المحافل الإنسانية والسياسية؛ تلك الخيمة البلاستيكية أو القماشية ، أرضيتها الحصى أو التراب وسقفها الذي ينتهي مع أول نظرة تنظرها اللاجئة المنكوبة بأعلى رأسها. تسكنها على مضض مع عدد من أطفالها الصغار شاحبي الوجه والملامح، الباحثين عن لقمة تسد رمقا لديهم، أو حذاء يحمي أرجلهم الناعمة من قسوة وحر الرمال والحجارة، هي خيمة قتلت فيها كل أمل ودفنت فيها أحلامها بمنزل صغير مرتب ونظيف، ومطبخ تحضر فيه أطيب أنواع الطعام لأسرتها الغالية، في الخيمة لا تجد المرأة السورية مطبخاً ولا أدوات طبخ ولا براد تضع فيه أطيب ما صنعته يديها لتفاجئ به صغارها الأحبة. ناهيك عن غياب الزوج الذي رحل وترك لها حزناً وحملاً لا تحمله معها إلا القدرة الإلهية. زوج غاب بالمعارك أو القصف أو فقد بطريقة ما ورحل لخارج البلاد ليبحث لعائلته عن مأوى إنساني أفضل يتوفر فيه الأمان.
يعيش كل ذلك الصراع معها لحظة بلحظة، بل وتقهرها تلك الذكريات القديمة الجميلة التي عاشتها في بيتها مع زوجها وأطفالها. و تتحدى تلك الذكريات، وتقاوم استحضارها في الذاكرة، فهي تلاحقها حتى في شهيقها وزفيرها اللذين تحافظ عليهما لأجل أطفالها الصغار. فتخرج من تلك الخيمة البائسة لتتوجه إلى مكتب الإغاثة الدولي لتأخذ حصة عائلتها من تلك الهبات والمساعدات التي تجود بها المنظمات والداعمون، فتقف كغيرها من النساء والرجال تتزاحم الدور علها تجد لها مكاناً بين هذا الحشد الضخم، وتجد زاوية تقيها من شر التحرش المقصود أو العفوي، متجاهلة أشعة الشمس الحارقة والتي تنال من وجهها المتعب أكثر فأكثر .
يتقدم موظفو المكتب الإغاثي بتوزيع تلك العلب الكرتونية الصغيرة المتكررة بمحتواها منذ سنين سبع ولم تتغير، ولكنها الخيار الوحيد أمام الجميع . ورغم الخبرة العالية للمنظمات الدولية كالأمم المتحدة وغيرها بموضوع اللاجئين، لكنك ترى أن المشهد المؤلم للتغريبة الفلسطينية ومخيمات العار والقهر لم يتغير، ولم يحصل اللاجئ العربي على أدنى الحقوق والأخلاق الإنسانية منهم، في ذلك المشهد يقف عدد من موظفي الأمن ببدلاتهم الأمنية النظيفة المرتبة تراقب الناس وهي تتصارع وتتزاحم، وقد يصل بهم القهر للضرب والاشتباك بالأيادي والأظافر لأن بعض من تلك النسوة فشلت بالتملص من دورها ، وقررت مخالفة الدور علها تهرب بتلك العلبة بوقت قصير لتعود لأطفالها قبل أن يكتشفوا غيابها الطويل، وينتابهم الخوف والبكاء لفقدانها كما فقدوا والدهم. ولكن ما أن تدب الفوضى وتكتشف الأخريات خطتها حتى يبدأ الاعتراض والصراخ والضرب، بين تلك الجموع المحتشدة، فتفقد اللاجئة المنكوبة أعصابها وصبرها لتصبح كالقنبلة الموقوتة التي إن انفجرت فستطال كل ما يقع أمامها وتقطع أوصاله، تصرخ من داخلها صرخة قهر واستغاثة، تحاول به أن ترفض هذا الواقع المرير وهذا الظلم الأسود، تحاول أن تتمرد على نفسها وعلى كل من حولها، دون أن تفكر في تلك اللحظات بالكلمات التي ستخرج من فمها، ومن سيقع ضحية بين أظافرها راغبة بتمزيقه وتمزيق روحها. تنقل كاميرات الإعلام العالمي تلك اللحظات والتي تعتبرها سبقاً صحفياً، ومادة غنية لقنواتهم، وتبدأ بالتركيزعلى حركات اللاجئة وصراخها ودموعها. فهل تستحق هذه المرأة المنكوبة أن يقف موظفو الأمم المتحدة يراقبونها بابتسامة ساخرة، وأصوات ضحكاتهم تتعالى من خلف الكاميرات وأمامها وعلى مرأى العالم وإعلامه؟؟ إن كان ذلك التصرف مقصوداً فليكن، وليرى العالم المتحضر المتطور الديموقراطي ماذا يحدث لهذه اللاجئة، ولتكتب عن ذلك كل منظمات دعم المرأة وتجد لها مبرراً أخلاقياً أمام أطفال تلك المرأة عندما يكبرون ويشاهدون بإحدى الأفلام الوثائقية ما حصل لوالدتهم أمام مكاتب الأمم المتحدة في مخيمات الذل والقهر، ويسألون لماذا لم تحمِ كل مواثيق الأمم المتحدة ومنظمات دعم المرأة في زمن الحروب كرامة والدتهم اللاجئة؟ ولمَ لم تطبق عليها تلك المواثيق والمعاهدات لحماية وصون كرامتها وإنسانيتها؟!

 

 

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top