(السوريات والتعليم الجامعي في ظل الثورة)

                                                                   إعداد عبير حسين

ناشطة إنسانية وحقوقية في الثورة السورية

                                                                                      تهتم بقضايا وحقوق المرأة

من أكثر المآسي التي ربما واجهها السوريون في الثورة هي اهتزاز تحقيق أحلامهم، وغموض مستقبلهم, فالكثير تخلى عن دراسته الجامعية جراء الوضع الأمني القاسي بعد قيام الثورة, فإضافة إلى سياسة النظام الوحشية في قمع الثورة من قصف وتشريد وتدمير, عمد النظام إلى تضييق الخناق على المثقفين والمتعلمين باعتبارهم مشاعل الحرية والكرامة, خاصة بعد العديد من المظاهرات التي قامت في الجامعات, مما دفعه إلى شن حملات اعتقال كبيرة ضمن الجامعيين, الأمر الذي دفع الكثيرين إلى ترك جامعاتهم.

بما أن النظام يفتقر إلى الحد الأدنى من الانسانية, والاعتقال يحمل ما يحمل من وحشية وإهانة وتعذيب، فقد تخلت الكثير من الفتيات عن الجامعة  خشية الاعتقال و الوضع الأمني، وهنا بدأت رحلة المعاناة لديهن، فهل كان هناك خيارا آخر يساعدهن على إكمال طريق التعليم الجامعي؟ وهل استطعن أن يجدن سبيلا للعلم غير جامعات النظام؟

بدأت الجامعات في المناطق المحررة عملها في أواخر 2015م وبداية 2016م، وتوزعت على جامعتين حكوميتين هما جامعة إدلب وجامعة حلب, إضافة إلى العديد من الجامعات الخاصة.

نشأت هذه الجامعات في ظل ظروف مؤلمة وقاسية، وتفتقر إلى الكثير من المهنية والخطوات العلمية والاكاديمية الصحيحة, الأمر الذي انعكس سلبا على سوية التعليم فيها بشكل عام، هذا بالإضافة إلى الكثير من المشاكل التي اعترت عمل هذه الجامعات والتي دفع ثمنها الطلاب, منها مثلا مشكلة الاعتراف بالشهادة, حيث يعاني الطلاب في هذه الجامعات من هاجس الاعتراف الدولي بشهاداتهم الجامعية, كون هذه الجامعات لم تحصل حتى الآن على اعتراف دولي رسمي بها, وهذا يعني أن حامل شهادتها لن يستفيد منها إلا في نطاق المناطق المحررة فقط, أمر آخر يعتبر مشكلة وهو الأقساط المرتفعة إلى حد ما، حيث تصل رسوم الفصل الواحد الى أكثر من /200/ دولار للجامعات الحكومية، بينما تتعدى الـ/1000/ دولار للجامعات الخاصة، وهذا ما يزيد جدا من أعباء الطالب, إضافة إلى الافتقار إلى التنوع العلمي والأكاديمي ,أي عدم توفر فروع علمية كثيرة تغطي احتياجات الطلاب، والاقتصار على عدة فروع تجعل خيارات الطالب محدودة وربما أرغمته على دراسة مالم يتمناه يوما.

ومن أبرز مشاكل هذه الجامعات كذلك هي عدم توفر الكوادر العلمية المناسبة, حيث أن عدد حاملي درجة الماجستير والدكتوراه قليل جدا قياسا إلى الحاجة المتزايدة لهم, وذلك بسبب هجرة النخب إلى خارج البلاد منذ بدء الثورة, مما دفع بالجامعات إلى التعامل مع أشخاص ربما كانت كفاءتهم لا تتناسب مع العمل الجامعي، ويفتقرون إلى الخبرة  الأكاديمية المطلوبة.

حول المشاكل السابقة تقول الطالبة “س .ع” وهي طالبة هندسة زراعية سنة رابعة:

كنت أدرس في جامعة الفرات في دير الزور؛ انقطعت عن الدراسة منذ 2013م بسبب الثورة والسفر إلى مدينة أخرى في ظل وضع أمني خطير, إضافة إلى أن المدينة كان يسيطر عليها داعش التي تفرض السفر مع محرم, وأخي استشهد بقصف الطيران الأسدي، ولم أعد قادرة على الذهاب إلى الجامعة, وإلى الآن أنا منقطعة عن الدراسة لأن الجامعة هنا تطلب كشف علامات ولا يمكنني السفر إلى الرقة حاليا, أما البديل فهو مبلغ /700/ دولار, إضافة إلى موضوع الاعتراف بالشهادة, فهو أمر يقلقني لأنني أتساءل عن مستقبل شهادتي في الأيام المقبلة .

وتقول الطالبة “أ.م” وهي طالبة هندسة معلوماتية بجامعة حلب:

تركت جامعة حلب لأنها تقع في أماكن سيطرة النظام، وأنا كنت أسكن في الأحياء الشرقية من حلب التي كان النظام يقصفها باستمرار, وبعد النزوح من حلب سجلت بجامعة حلب الحرة، ولكن في فرع آخر غير ماكنت أدرسه حيث التحقت بكلية الحقوق, لكن الوضع الأمني واقتتال الفصائل أدى إلى عرقلة كبيرة لدراستنا، وإلغاء محاضرات وتأجيل امتحانات، وكل ذلك انعكس سلبا على دراستنا.

وتقول الطالبة “ي.ع” الطالبة في كلية الحقوق في جامعة حلب الحرة:

بعد أن أغلقت إحدى الفصائل العسكرية الجامعة بقوة السلاح بدأنا نحضر المحاضرات في الشارع، وبقينا على هذا الحال عدة أيام, ثم انتقلنا إلى بلدة عنجارة في ريف حلب الغربي, لكن الوضع الأمني واقتتال الفصائل منعنا من الحضور خاصة بعد استشهاد زميل لنا في كلية الحقوق بسبب هذا الاقتتال, أثناء دوامه في الكلية, مما منعنا من المخاطرة والذهاب إلى الكلية بعد تلك الحادثة المؤلمة.

إن من أهم ميزات العمل الأكاديمي هو استقلاليته التامة عن ارتباط رسمي آخر، ويكون له كيانه المستقل واعتباراته الخاصة التي لا تخضع لأي كان، لكن ذلك لم يتوفر لتلك الجامعات في المناطق المحررة، وجعلها عرضىة للتدخل الدائم من السلطات المتواجدة سواء فصائل أو غيرها ..مما أدى إلى تململ الطلاب، وفقدان الثقة بتلك الجامعات.

تقول إحدى الطالبات وفضلت عدم الإفصاح عن اسمها: كيف لي أن أثق بالجامعة وأنا أرى بنفسي الكثير من الانتهاكات التي تقع فيها؟!! وليس بمقدورنا  التحدث عنها لأن ذلك ربما يجرنا إلى مشاكل أخرى.

هذا بعض ما تعانيه الطالبة السورية في رحلة بحثها عن العلم في الجامعات الحرة, وما هو إلا جزء بسيط من معاناة أكبر وأعظم فرضت عليها لمجرد أنها ارادت حياة حرة كريمة, ولكن وعلى حد قول إحدى الطالبات أرادت ختم حديثها به : لن نيأس ولن نقهر ولن نستسلم.

اترك تعليقاً

scroll to top