الثورة السورية و المتغيرات الدولية  3

 

 

بقلم : النقيب محمد علوان

المدير التنفيذي لمجلة بركان الثورة السورية

لم تبق في سوريا مناطق قابلة للقضم عسكريا، كما أنه لم يتبق للجيش الحر أية مناطق عسكرية محررة في العمق السوري و التي في الحقيقة كانت تشكل عليه عبئا ميدانيا  بسبب استراتيجية الدفاع السلبي التي كان يتبناها، أو بصورة أدق أُجبر على تبنيها بعد أن فرضت الدول المؤثرة عليه ذلك  من خلال تجفيف جميع أنواع الدعم العسكري، و إفراغ قرارات مجلس الأمن من جوهرها سياسيا و تحويل أروقته إلى مسرحيات هزلية بات القاصي و الداني يدرك أنه – أي مجلس الأمن – عبارة عن كيان هدفه الحقيقي هو تحقيق مصالح الدول العظمى على حساب الشعوب.

   إذًا كما سبق ذكره لم يبق على الخارطة السورية أية مناطق قابلة للقضم العسكري من قبل أي طرف من الأطراف، و السبب في ذلك يعود إلى أن المناطق وفق توزع خريطة السيطرة اليوم هي مناطق تخضع لاتفاقيات من قبل جميع المؤثرين الدوليين و الإقليميين، باستثناء بعض التجاذبات السياسية التي لا تعدو أن تكون مجرد تصريحات مخدرة لإرضاء شرائح معينة، و امتصاص ردة فعلها لتهيئتها لصدمات أخرى مستقبلية، فما هي مواقف الدول المؤثرة التي باتت أكثر وضوحا الآن بناء على خريطة السيطرة و النفوذ الدولي التي تتبع له كل منطقة:

أولا – الولايات المتحدة الأمريكية:

إن الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة ترامب تنظر إلى سوريا في المقام الأول من وجهة نظر اقتصادية، و أغلب التصريحات السياسية لرئيسها ليست سوى تصريحات  يهدف من خلالها الحصول على صفقات اقتصادية و أحيانا سياسية، و أخر تلك الصفقات هو تسليم مدينة منبج لتركيا محققة مكسبين رئيسيين من ذلك:

المكسب الأول :

إرضاء تركيا الحليفة الاستراتيجية لأمريكا في المنطقة، محاولة بذلك ترميم الشرخ السياسي الكبير الذي حصل و ازداد مؤخرا بين البلدين، و من ناحية أخرى إبعاد تركيا عن روسيا التي أبدت انزعاجها من تسليم منبج لتركيا.

المكسب الثاني:

انسحاب الأحزاب الانفصالية من منبج إلى شرق الفرات سيتيح لأمريكا استخدامهم كحراس لحقولهم النفطية، و هذا سيوفر عليها دفع تكلفة مادية للشركات الأمنية.

ثانيا – تركيا :

 في أفضل أحوالها الآن، فحدودها المتاخمة لغرب الفرات – بعد استلام منبج – ستصبح خالية تماما من الانفصاليين، و بذلك تكون تركيا قد حققت هدفها المرحلي بالقضاء على الكيان الكردي الانفصالي الذي طالما شكل هاجسا لها، و تبقى مدينة تل رفعت التي المتوقع أن يتم تسليمها لتركيا هو السيناريو الأكثر حظا في ظل هذه الظروف.

ثالثا – إيران:

 الخاسر الأكبر، فهي تواجه تحديات كبيرة في سوريا، أهمها الرفض الإسرائيلي لبقائها تحت اي مسمى أو ذريعة، و هذا ما تحاول إيران الالتفاف عليه  لكن دون جدوى، فقواتها و ميليشياتها باتت تتعرض للقصف الإسرائيلي بشكل يومي تقريبا، وهذا يضعها أمام خيارين أما المواجهة أو الانسحاب ، و كليهما خاسر خصوصا مع غياب  دعم الحليف و الشريك الروسي الذي انضم للمجتمع الدولي الرافض لبقاء إيران في سوريا و هذا حدث هام لا يمكن تجاهله.

رابعا – روسيا :

تنظر الآن إلى إيجاد حل سياسي في سوريا، إذ أنها عززت من تواجدها في سوريا، و أمنت قاعدتيها الجوية و البحرية، و باتت تدرك أن المناطق الأخرى في الشمال و الجنوب تخضع لاتفاقيات لا تستطيع خرقها، لأنها إن فعلت فإنها ستعود للمربع الأول و ربما أسوأ مع الغياب القسري للحليف الإيراني، كما أن السلوك الروسي مؤخرا يوحي بتغيير حقيقي  للموقف الروسي مع الإقرار بعدم ترجمته بشكل جدي إلا من خلال المطالبة برحيل الميليشيات الشيعية من سوريا، ومحاولة الترويج لنفسها أنها تسعى للحل السياسي بجدية من خلال ضبطها لسلوكيات عناصر جيش النظام وميليشياته والحد من سلطتهم وتعدياتهم على المدنيين في المناطق التي تم السيطرة عليها مؤخرا.

في ظل هذه الظروف فإن بقاء نظام الأسد بات مقتصرا فقط على البقاء المعنوي البروتوكولي بعد أن تم تفريغه عسكريا و اقتصاديا و أخلاقيا، و يجري تجريده من حليفه الإيراني، و بهذا فإن النظام السوري بات مهيأ لأي صفقة سياسية ليست بالضرورة أن تكون صفقة استراتيجية أو هامة.

Share this post

اترك تعليقاً

scroll to top