ما بعد التفاهمات الكبرى

 

العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة

وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب الأدباء السوريين الأحرار.

 

تتجه الأمور نحو الحقائق غير المرغوب في تثبيتها.

فهل انحسار الجغرافية السورية إلى جزيئات ومحميات مجهرية مرتبطة بالانتماءات الضيقة ((المذهبية والعرقية والدينية و …و …)) هي نهاية المطاف؟ وهل هذا ما سعت له القوى الفاعلة فعلاً؟

إن دفع الأمور نحو استقطاب بعيد الانتماء في منطقة تعج بالانتماء ((التحت مذهبي والفوق أخلاقي)) هو دفع إلى تعميق الشرخ وزيادة الهوة، فعند الحديث عن المذهب أصبح الكثيرون يذهبون إلى تحت سقف المذهب، أما عند الحديث عن الأخلاق فترى الكل فوق أخلاقي.

إن لجم الغليان الانتقامي المذهبي منه أو الطائفي أو الفوق قومي …. إلخ، أصبح ضرب من ضروب المستحيل في يومنا المسحوب من عهود داحس والغبراء؛ حيث ينتظر الكل فرج السماء، والسماء بعيدة، فما تخربه دهاليز السياسة وتوحش الإنسان في الأرض لن ننتظر إصلاحه من السماء.

الخطابات الأيديولوجية وخطابات الكراهية لا تحتملها الساحة السورية الْيَوْمَ بعد تراكم الجراحات والآلام، كما أن أي طرح يتعدى حدود الوطن سيكون سقوطه على التخوم سريعاً.

هناك من يطرح أيديولوجيا فوق وطنية، وفوق قومية حتى، ونحن ما نزال غارقين في ظلام الفصائلية والمناطقية.

خطاب أيديولوجي غيبي يقفز فوق الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله عز وجل بالأخذ بها، وهؤلاء يلتقون مع النظام بالعداء للثورة ورايتها، فمع كل هذه التناقضات وغيرها كيف نتخيل مرسى سفينة الوطن؟

وإن كانت هذه التناقضات مرتبطة بصورة أو بأخرى بالارتدادات والتناقضات الكبرى على الساحة الدولية (فالعالمُ الْيَوْمَ قرية صغيرة، وكلنا يعلم أن ساحتنا السورية تعج باللاعبين على المستويين الدولي والاقليمي.

هل نظرية ((تهجير، ثم نزع ملكية، وصولاً إلى تغيير ديموغرافي)) هي نظرية مناسبة لصانعها حائك السجاد الفارسي وأدواته النظام والمليشيات الطائفية))؟.

وكلنا يعلم أن القانون رقم ((١٠)) للعام ٢٠١٨ أتى استكمالا ً لمسلسل التهجير والذي بدوره مهد الطريق لبناء ديمغرافي جديد طالما بشر به بشار الأسد تحت عنوان ((سوريا المفيدة)).

وهذا يُترجم على الأرض من خلال منح الهوية السورية للمليشيات التي شحنتها إيران إلى سوريا، ورغم كل الاعتراضات الدولية على هذا القرار إلا أنه حصل بمباركة الروس.

وكلنا يعلم كيف وقفت العديد من الدول الحرة ضد هذا القرار غير الأخلاقي وغير القانوني، وكان للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الموقف النبيل والإنساني بهذا الخصوص، حيث تحملت الدولة الألمانية عبئاً كبيراً في استقبال اللاجئين وتأمينهم والدفاع عن حقوقهم والتي كان آخرها رفض المستشارة الألمانية ميركل للقرار رقم عشرة الذي يعتبر تجريد واضح للفارين من بطش النظام لحقوقهم وممتلكاتهم ومنحها للغرباء الذين دخلوا للدفاع عن نظام بشار الأسد.

في ذات السياق يبرز سؤال جديد هو:

هل رسائل التقنية العسكرية الإسرائيلية عالية الجودة والدقة والمنسقة مع الروس وصلت إلى ذهنية صانع القرار الإيراني؟

وهل أتت اُكُلها في كبح أحلام اليقظة لحكومة الولي الفقيه وانحسارها بالعودة إلى الاصطفاف خلف الحليف الروسي المكلف رسمياً بإدارة الملف السوري والتي كانت تحاول التسابق معه؟

قد تكون هذه المقاربة الأكثر واقعية للحالة التي نراقبها، فالأحلام الكبرى والاقتراب من الخطوط الحمراء الإسرائيلية أصبح من الماضي لإيران ومن يدور في فلكها باستثناء عنتريات الكلام الذي لا يقف الغرب وإسرائيل عندها إطلاقاً، فهم يبنون على الأفعال وليس الأقوال.

وفعلاً فإن التسريبات القادمة من اجتماع الاْردن والذي حضره كلاً من ((أمريكا وروسيا والأردن))، والأهم حضور ورقة المطالب الإسرائيلية التي كانت حاضرة بقوة والتي تقول ضمنياً أن المسرح السوري والتخوم مع إسرائيل محمية ومنذ عقود من قبل حكومة الأسدين الأب والابن، وهذه الحماية يجب أن تبقى إذا أراد نظام بشار الأسد البقاء بما فيها عدم وجود المنافس الإيراني على حدودها والذي بدوره يسعى أيضاً نحو التمدد والهيمنة وفوق هذا يسعى إلى تصدير الأيديولوجيا، إن هذه التسريبات لا تشي بالخير ومواقف واشنطن التي يكتنفها الغموض أكثر من أي وقت مضى أصبحت مثار جدل لدى الشعب السوري المكلوم، فالتسريبات تشي أن متطلبات الحل السياسي هي أولاً: نزع عوامل القوة من كل من يرفض الحلول التي ستتوصل لها القوى الكبرى، وممن لا يقبل بالتوافقات الدولية والإقليمية، وبذلك تضمن هذه القوى إزالة كل من يعكر صفو الحل المنشود الغامض والمبهم حتى اللحظة.

لكن الشعب السوري عموماً والثائرين ضد الظلم خصوصاً تَرَكُوا وعود الضامنين للحل السياسي تسير حتى النهاية، لكن الحقيقة أن الحل المرتقب إذا لم يتواءم مع مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية وإنهاء حكم القتلة فإن هذا الشعب الذي قدم كل هذه التضحيات سيعيدها سيرتها الأولى وسيكسب الدبابة بالبندقية، وسيستمر الصراع مادام القاتل الكيماوي قابعاً في دمشق.

اترك تعليقاً

scroll to top