مسلسل الكيماوي الحلقة ………؟؟؟

العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة

عضو المكتب التنفيذي لاتحاد

الكتاب والاُدباء السوريين الأحرار

 

كثيراً ما روج الروس إلى إعادة تأهيل نظام الأسد منتهي الصلاحية، فقد عَمد بوتين ومنذ أن أخذ على عاتقه إدارة الملف السوري إلى تقديم الدعم اللامحدود للنظام الذي فسر هذا الدعم على أنه ضوء أخضر لإخماد ثورة الشعب السوري بكل السبل والوسائل.

فارتكب النظام المجرم أبشع المجازر بحق البشر والشجر والحجر وصولاً إلى استخدام السلاح الكيماوي المحرم دولياً، والتهجير القسري بإفراغ مدن بأكملها من سكانها، وفِي كل مرة كان المجتمع الدولي يريد تجريم بشار الأسد فيها كان الفيتو الروسي مشهراً وجاهزاً وتحت الطلب لتغطية جرائم النظام حتى بلغ عدد المرات التي استخدم فيها الروس الفيتو في مجلس الأمن  (( ١٢ )) مرة لحماية المجرم من العقاب.

فكان مسلسل الكيماوي  :

الحلقة الأولى: تم سحب أداة الجريمة، وتُركَ المجرم هارباً  من العدالة حراً طليقاً.

الحلقة الثانية : استخدام النظام للسلاح الكيماوي وبشكل خاص في خان شيخون قابلها ضربة ( قنبلة صوتية ) نفذها ترامب قبل عام على مطار الشعيرات العسكري .

الحلقة الثالثة : استخدام النظام السلاح الكيماوي في دوما وبنفس الْيَوْمَ الذي تلقى فيه مطار الشعيرات ضربة ترامب الصوتية قبل عام وهو تحدٍ وعنجهية غبية من النظام الذي ظن أن الروس سيأمنوا له الحماية والاستمرار حتى النهاية ، أيضاً الرد استهداف أداة الجريمة ومكان تصنيعها وترك المجرم حراً طليقاً، ولكن بفارق عن المرات السابقة من مسلسل الكيماوي أن هذه المرة جُيشتْ لها تصريحات وتهويلات وتحريك الأساطيل جعلت كثير من المراقبين يعتقدون أن الحرب العالمية الثالثة أصبحت تنتظر ساعة (( س )) فقط.

إن مسلسل الكيماوي هذا الذي نتابع حلقاته منذ أمد بعيد وهذه الإجراءات العقابية التي تستهدف أداة الجريمة وتبقي على المجرم هي من تُشجع النظام على العنجهية والتنصل من الحل السياسي وفق بيان جنيف ١ والقرار  ٢٢٥٤.

وإذا كان الحليف الروسي يراهن على بقاء المجرم بشار الأسد فإنه بكل تأكيد رهان خاسر، لأنه و ببساطة شديدة لا يمكن جمع النقيضين بيد واحدة، فتحقيق الاستقرار في البلاد لا يمكن بلوغه ببقاء تنظيم بشار الأسد المتوحش والذي ارتبط اسمه بكل هذا الكم من الإجرام والقتل والتدمير والتهجير، ناهيك عن تأكيد الغرب عموماً بأن الحوار مع هذا المجرم أصبح مستحيلاً  .

وفِي النهاية وبعد الضربة الثلاثية التي روج لها سيد البيت الأبيض كثيراً والتي نتج عنها جرح ثلاثة مدنيين على حد قول النظام تتفتق ذهنية الدبلوماسية الامريكية على لسان (( نيكي هيلي )) مندوبة واشنطن في الأمم المتحدة عن التصريح التالي :

اعتبرت مندوبة واشنطن أن خروج الولايات المتحدة من سوريا ووقف محاسبة النظام مقروناً بتحقيق ثلاثة أهداف هي :

١- ضمان عدم استخدام النظام للسلاح الكيماوي : وهذا فُسر بأنه ضوء أخضر لاستخدام كل ما دونه، فقام النظام مباشرة و في الْيَوْمَ التالي للضربة (( الأمريكية ، البريطانية ، الفرنسية )) بشن غارات مكثفة على مناطق في ريف حُمُّص وحماه وإدلب بما فيها مناطق مشمولة بخفض التصعيد.

٢ – هزيمة تنظيم الدولة الاسلامية  (( داعش )) وهذه حتى لو هزمت فإن خلاياها مستمرة إلى أمد بعيد. .

٣ – ضمان وجود نقاط مراقبة فعالة لمتابعة التحركات الإيرانية .

أيضاً هذه تفسر على أنها ترخيص بالبقاء لإيران وإن كان مقيداً.

إذاً نحن أمام ثلاثة شروط هلامية قابلة للتأويل والتحوير وغير ذلك.

قد يرى البعض أن سياسة واشنطن بإظهار القوة دون استخدامها أمراً مقبولاً في الوقت الراهن وبشكل خاص تجاه إيران  لأن الموقف الأميركي من إيران لم يتبلور بعد وهو خاضع للعبة المؤسسات ولا يملك الرئيس ترامب مطلق الصلاحية في قضايا الحرب والسلام والقضايا الاستراتيجية الكبرى وبالتالي فإن الموقف النهائي من إيران قد يكون في أيار مايو المقبل مع استحقاق التصويت على إلغاء الاتفاق النووي مع إيران أو عدمه ومن البديهي إذا كانت النتيجة (( إلغاء الاتفاق )) أن تذهب الأمور نحو التصعيد  .

وبالتالي نحن أمام حالة إحتقان وحالة من كسر الإرادات وإن كانت حتى هذه اللحظة تحت السيطرة.

ولكن لنتخيل أن مساحة صغيرة بحجم سوريا (( ١٨٠’ ١٨٥ كم2 )) يتواجد عليها كل هذا الكم من القوى الإقليمية والدولية، ناهيك عن التنظيمات المذهبية المتشددة وغير المتشددة وكل له أيديولوجيته الخاصة.

لنتخيل أن هذه المشاريع المتضاربة في هذه البقعة الجغرافية الصغيرة إذا لم تتوفر الإرادة للحل فكم ستستمر سياسة المهادنة هذه ؟

بكل تأكيد فإن الأقطاب المتضادة ستصطدم ولنتخيل ما سينجم عن هذا الاحتكاك إن حصل.

هناك فكرة مفادها أن حرب الوكالة التي كانت تدار من الغرف المظلمة قد تنتهي إلى حرب للأصلاء  على التراب السوري وهي بكل تأكيد إن حصلت فنحن أمام الحرب الكونية الثالثة مع فارق التقدم التكنولوجي وتطور وسائط الصراع الصارخ عن الحربين الأولى والثانية  إلى درجة يمكن أن تدار فيها الحروب عن بعد ودون الحاجة إلى زج قوات برية مقابل قوات برية للطرف الآخر، فأهداف الحرب المقبلة يمكن تحقيقها عن بعد وباستخدام أعقد التكنلوجيا العسكرية ، فعلى سبيل المثال فإن رسائل التهديد المتبادل التي سبقت الضربة الثلاثية ل ( واشنطن ، لندن ، باريس ) وصلت للطرف الآخر الذي يمثله الروسي عندما تغزل (( ترامب )) بالجيل الجديد من الصواريخ الطوافة أو الجوالة التي يصعب على الطرف الآخر التعامل معها كما وصفت.

وفعلاً أدرك بوتين أنه أمام تحدٍ كبير جداً وأن سياسة اللعب على الحافة قد لا تجدي نفعاً إذا ما عزم الغرب على الدخول المباشر على الخط ، فكان الرد الروسي هو الالتزام بالهدوء مع التنديد.

رغم أن الرسائل العسكرية والتصريحات العلنية قد تكون في واد والحقائق في واد آخر، وكما يقول المثل ليس كل ما يعلم يقال.

نحن أمام تصريحات روسية ممتعضدة  جداً من تهديدات الغرب ومن الضربة على النظام والإيرانيين، ولكن هناك فكرة مخالفة تقول أن هذا محض إعلام وأن الحقيقة كان الروس مستفيدون من استهداف مواقع لإيران التي بدأ الخلاف معها حول تقاسم النفوذ وبشكل خاص بعد تأمين العاصمة دمشق وخروج مقاتلي الغوطة تحت وطأة استخدام السلاح الكيماوي ضد شعب محاصر حيث أصبح الطرفان الروسي والإيراني وجه لوجه على مائدة القسمة ، وكما يقول المثل فإن اللصوص لا يختلفون وقت العملية بل يختلفون وقت اقتسام الغنائم فأتى  هذا الاستهداف  الثلاثي الذي نسق مع الروس حيث حددت لهم أماكن الضربات وحيثياتها ، فكان سكوت الروس عن الضربات واقتصاره على التصريحات قد حقق لهم ضرب عصفورين بحجر غيرهم فقد جعلت الضربات إيران تنسى نشوة النصر في الغوطة وتستذكر حجمها الطبيعي الذي يحتاج للروس دائماً ، وبذات الوقت لم يَظهر الروسي ممن يختلف مع الحليف أو يخونه.

فاللاعب الروسي يشعر أن تقاسم النفوذ على أساس الندية مع الإيراني الذي لا يراه نداً له هو تنازل كبير بل ضرب من ضروب الجنون وبشكل خاص أن كل له أجندته المختلفة تماماً عن الآخر، فالمشروع الإيراني هو مشروع تمدد صفوي من ضمنه نشر التشيع ونشر إيديولوجيا الولي الفقيه ، بينما الروسي يبحث عن وحدة المصالح وإعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي السابق إلى الحلبة الدولية ثانيةً .

كما أن الكثيرين يَرَوْن أن الروسي لا يهمه بشار الأسد بقدر ما يهمه استمرار مصالحه الحيوية في سوريا وهو جاهز لعقد صفقة الحل، عكس الإيراني الذي يدرك أن مصيره في سوريا مرتبط  بشخص بشار الأسد وبالتالي هو متمسك ببقائه ولا يتفق مع الروسي على إزاحته.

ولكن نحن كسوريين ماذا يهمنا مما حصل :

بكل تأكيد ما حصل من ضربات ومن تجييش الرأي العام الغربي خصوصاً ضد النظام جعل أمر إعادة تعوييم بشار الأسد أمراً شبه مستحيل في الغرب، وهذا ما ظهر في تصريحات العديد  من المسؤولين الغربيين، فمن الصعب أن نتوقع بعد الْيَوْمَ أن الرئيس الأميركي أو أي زعيم أوروبي أن يستقبل بشار الأسد أو يضع يده بيده، وأيضاً من المنطقي أن تكون مألات الحل السياسي القادم هي نهاية بشار الأسد.

Share this post

اترك تعليقاً

scroll to top