تركيا وإدلب.. عرفان وامتنان

                                                                                                                                       د. محمد حاج بكري

منذ أن وسعت هيئة تحرير الشام التي تشكل النصرة قوتها الرئيسية نفوذها في محافظة إدلب بعد حملة عسكرية ضد حركة أحرار الشام استمرت ثلاث أيام لتنتهي باتفاق أضعف الحركة في إدلب، بدأت مواقف الدول المعنية بالشأن السوري تظهر بوضوح ، فموسكو أشارت إلى أن مصير إدلب سيكون مشابها لمصير الموصل العراقية ، وأما أميركا فقد كان بيان المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا مايكل راتني واضحا وشديد اللهجة عندما اعتبر أن في حال هيمنة جبهة النصرة على إدلب سيصبح من الصعب على الولايات المتحدة الأميركية إقناع الأطراف الدولية بعدم اتخاذ الإجراءات العسكرية المطلوبة .

لقد كان المعني بهذا الأمر أكثر من غيره هو أنقرة، فإدلب تشكل بالنسبة لسوريا الحدود الشمالية مع تركيا التي هي   في حقيقة الأمر من تدفع ثمن عدم الاستقرار في هذه المنطقة.

كان من مخرجات أستانة 6 ضم إدلب إلى مناطق خفض التصعيد كمنطقة رابعة وتفويض تركيا بالعمل على ذلك، حيث أن خيار دخول تركيا إلى إدلب؛ فضلا على أنه ضمن تفاهمات دولية، أصبح خيارا أمنيا لها ضمن مصالحها العليا، ولذلك كان موضوعا جامعا بين الأحزاب التركية الممثلة بالبرلمان لا سيما أن خطط ال pkk  في الوصول إلى سواحل المتوسط هاجس مؤرق لتركيا بكافة أطيافها .

إن سيناريو دخول تركيا إلى إدلب برفقة الفصائل الثورية هو أفضل خيار موجود للثورة السورية ولمصلحة السوريين، وأن إثارة الشائعات والغبار حول الفصائل التي سترافق القوات التركية هو زوبعة تشويش في غير محله، وذلك بعدما ظهرت حقيقة الجهة المسيطرة في إدلب، بالإضافة إلى الخيارات القائمة لدخولها والمعدة من الأطراف التي لها علاقة بسوريا والمحصورة في الآتي:

دخول إدلب عن طريق قوات سورية الديمقراطية المدعومة أميركيا، ولنا في تدمير الرقة خير مثال، أو دخول قوات نظام الأسد والميليشيات الإيرانية المدعومة جويا من قبل روسيا على غرار ما حدث في حلب، أو دخول تركيا والحفاظ على إدلب وقوى الثورة السورية.

فمن أهداف التدخل التركي في ادلب:

1 – السيطرة على الأوضاع في المناطق الحدودية والعمل على منع تمدد الأزمة إلى أراضيها.

2 – السيطرة على الأوضاع الميدانية لأن العمليات العسكرية في إدلب تؤدي إلى زيادة عدد اللاجئين ويكفي تركيا ثلاثة ملايين نازح.

3 – وقف التمدد الكردي الانفصالي عبر قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركيا، وما يشكله من تهديد للأمن القومي التركي.

4 – منع استهداف إدلب وتدميرها.

5 – وقف تمدد وتسلل المتطرفين إلى تركيا.

6 – الحفاظ على أمن إدلب واستقرارها والحيلولة دون تعاظم خطر التطرف في داخلها، ومنع القوى المعادية للثورة من التمركز فيها بحجة مكافحة التطرف والإرهاب.

7 – توحيد صفوف المعارضة المعتدلة وتقويتها تحت سقف واحد، فالوجود التركي في إدلب يعزز من قوة الثورة السورية وفرص الحل السياسي.

علينا كسوريين أن نعي أن الدخول التركي إلى إدلب قد جنبنا سياسات حرب الإرهاب المتبعة والتي أدت إلى تدمير الموصل والرقة ودير الزور، والذي ظهر واضحا في قصف المدن العشوائي من خلال مئات من الغارات الجوية باعتبارها مستباحة تحت سيطرة الإرهاب والإرهابيين، أو منح دور لنظام الأسد والميليشيات الإيرانية أو روسيا في السيطرة على إدلب بالرغم مما قدموه من رصيد في جرائم الحرب والمذابح والدمار، بالإضافة إلى الحقد التاريخي على إدلب وشعبها، أو دعم تمدد حزب الاتحاد الديمقراطي المرتبط بحزب العمال الكردستاني، وهذا كله يؤدي إلى أن المعركة ستكون على إدلب وشعبها، وسيؤدي ذلك إلى محرقة للسكان والقرى والبلدات التابعة لها، والهم الأكبر والأخطر من حلب والموصل والرقة هو على استقرار المنطقة والمستقبل في حال فرضت هذه القوى استبدادها على المدينة لصياغة مستقبل المنطقة بالحديد والنار والتهجير والإبادة للحصول على مجتمع الأسد المتجانس.

وسط كل ذلك تركيا وجدت نفسها مضطرة للعمل العسكري لمنع إنشاء أي كيان انفصالي على حدودها الجنوبية في سوريا، فالضرورة تفرض عليها مواجهة هذا الخطر بالإضافة إلى المبدئية في مواصلة دعم الفصائل المعتدلة في الثورة السورية، والتي يعترف بها المجتمع الدولي لملء الفراغ بعد زوال داعش، فالفصائل السورية هي صاحبة الأرض وهي أحق في الدفاع عنها وإقامة المنطقة الآمنة بها، والسعي إلى عودة الشعب السوري المهجر إليها.

فتركيا لا تريد احتلال أراض سورية ولا توسيع نفوذها ولا المشاركة باقتسام سوريا؛ إنما هي داعمة لثورة الحرية والكرامة والشعب السوري المقهور وخاصة بعد أن أصبح بشار الأسد ونظامه في ذمة إيران وروسيا، وبموافقة ضمنية من أميركا وإسرائيل، وهذا يفرض علينا الامتنان والعرفان لتركيا بمقدار تضحياتها من أجل ثورة يتيمة ليس لها الا الله.

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top