هناك في الوطن

كوناي نشيواتي – مكتب المرأة

يتصل بصديقه في الوطن بين الحين والآخر ليطمئن على أحواله وفي كل مرة يصدم بقوله: الحياة هنا جميلة كالمعتاد وكل شيء على ما يرام.

رغم معرفته بالحالة الصعبة التي يعاني منها هذا الصديق … فهو موظف في دائرة حكومية راتبه المتواضع لا يكفيه شراء أدنى المتطلبات الضرورية للمعيشة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأساسية، في ظل حالة التضخم الكبيرة جراء انهيار قيمة العملة المحلية أمام العملات العالمية ونضوب خزينة النظام، فيضطر أن يعمل بعد نهاية الدوام كنادل في أحد المقاهي الشعبية يلبي الطلبات هنا وهناك ويواجه بابتسامة مصطنعة غضب أحدهم لتأخره في تلبية طلبه بسرعة ويكاد التعب والارهاق يأخذ منه كل مأخذ فما أن يخطو عتبة بيته حتى يسرع الى الفراش دون ان يتاح الجلوس مع أطفاله ومتابعة دروسهم أو مشاهدة برامج التلفاز مع زوجته. او حتى الذهاب لعيادة مريض أو زيارات التهنئة بالمناسبات الخاصة.

فلقمة العيش وأجار المنزل ومصاريف المدرسة والكهرباء والغاز أولوياته التي فرضها النظام عليه وعلى غيره الناس وأصبحت دون أن يدرون أحلاما…

وغير ذلك في نظره رفاهية لم يفكر في الحصول عليها وكأنه في حالته هذه كعصفور خلق في قفص داخل الأسر ولم ير يوما ما هو خارج القفص، لا يعرف أن لديه حق أن يطير.. لا يعرف أن لديه حرية الانتقال من مكان الى مكان.. حرية أن يغرد بصوته الجميل، ويعبر عما يجيش في نفسه دون خوف، لا يعرف أن له حرية اختيار أنواع أخرى من الطعام غير الذي وضع له.

ينظر الى الخارج بوجل وهو يرى الطيور الحرة في السماء ولسان حاله يقول: الحمد لله انى داخل القفص.

لا يعرف أنه مسلوب لأهم قيمة في الحياة.. وهي الحرية

وعندما يحاول شرح ما يحدث في العالم المتحضر الذي يحترم قيمة الانسان لهذا الصديق يشعره الآخر كأنه يتكلم أحاجي وألغاز يصعب فهمها فلا يمكن أن يتخيل أن تعمل دولة لمصلحة مواطنيها وكأن الأساس في العالم هو الفساد والعدل هو الطفرة.

ولا يتخيل أبدا أن الرئيس مجرد موظف وأن هناك مجتمع لا تتغلغل الرشوة في أركانه وأن أحدا لا يستطع أحد أن يؤذيه ويتعدى على ممتلكاته.

لا يقتنع أن الثورة قامت للوصول الى دولة العدل الخالية من الفساد والظلم والأمراض المجتمعية وعلى الجميع مساندتها للعيش بكرامة.

ورغم وجود الكثير من المشاكل في الحياة بالخارج ولكنها لا تمس بأساسيات الحياة، كالتعليم والصحة والعدل والاحترام..

وهي ليست مشاكل تتعلق بالحرية حتما.

صعب جدا أن تكون سجينا داخل قفص… والأصعب ألا تعرف..

أنك داخل القفص.. سجين.

scroll to top