هل يتدارك العرب ما تبقى لهم ؟

  هل يتدارك العرب ما تبقى لهم ؟

 أسدلت دول مجموعة 5+1 وإيران الستارة على الفصل الأخير من برنامج طهران النووي أمس بعد مفاوضات ماراثونية استمرت لنحو 12 عاماً وأبرمت اتفاقا اعتبرته أوروبا وأمريكا انجازاً تاريخيا عظيماً يعزز السلام في منطقة الشرق الأوسط بينما نعتته إسرائيل بالخطأ التاريخي وتنوعت المواقف العربية الهشّة من مرحب ومؤيد للاتفاق إلى متحفظ يطالب بتشديد الرقابة لإلزام إيران بتنفيذه ولجمها عن التدخل في المنطقة العربية. الاتفاق الذي هدد الرئيس الأميركي باراك أوباما باستخدام حق النقض الفيتو فيما لو عارضه مجلس الشيوخ وصفه بالتاريخي وأنه يقوم على التحقق وليس الثقة وهو ما أكده في حديثه لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز محاولا تطمينه لأهمية العلاقة الاستراتيجية بين البلدين واهمية الاتفاق بعدما نقلت وكالة الانباء السعودية عن مسؤول سعودي لم تكشف عن هويته قوله: “إن الاتفاق سيجعل من منطقة الشرق الأوسط أكثر خطورة في المستقبل.. والمملكة تشارك دول (5 +1) والمجتمع الدولي باستمرار العقوبات المفروضة على إيران بسبب دعمها للإرهاب وانتهاكها للاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بالتسليح”. ولعل أبرز ما رشح من بنود الاتفاق هو استمرار تطبيق الحظر على استيراد إيران للأسلحة 5 أعوام. واستمرار تطبيق الحظر على استيراد الصواريخ الباليستية 8 أعوام. خفض عدد أجهزة الطرد المركزي الضرورية لتخصيب اليورانيوم والتي يقدر عددها بـ6 آلاف جهاز، بمقدار الثلثين لمدة عشر أعوام. الالتزام بتطبيق البروتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة حظر الانتشار النووي، وهو ما سيسمح بزيارات محددة لمواقع عسكرية يحددها البروتوكول.

إن كل ما ذكر آنفاً لا يمكن وصفه إلا قيد أحاط برقبة النظام الإيراني الذي اعتاد العالم على عدم التزامه بالتعهدات ولو أن الاتفاق لم يتم لاستمرت إيران في نخصيبها لليورانيوم دون أي رادع. لذلك كان السؤال المهم .. ماذا استفادت إيران من الاتفاق..؟ بعد سقوط نظام صدام حسين العدو الأول لإيران في المنطقة العربية نتيجة غزو العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في عام 2003 تنفّست إيران الصعداء وبدأت تمد خيوطها في العالم العربي وأحكمت سيطرتها على العراق برغبة أميركية وأطلقت لحليفها في لبنان العنان للاستفراد بالسلطة وإنشاء دويلة ضمن الدولة وزعزعت استقرار عدة دول في مجلس التعاون الخليجي وعلى جانب آخر فرّغت علمائها للبحث العلمي وللصناعات الاقتصادية والدوائية والعسكرية والحربية حيث استطاعوا برغم الحصار الاقتصادي المفروض عليها ونتيجة طبيعية لوقوف الروس خلفهم تحقيق قفزات علمية كبيرة خاصة في مجالات التسليح والصواريخ وطائرات التجسس والأدوية والبرمجيات والبدء بإنشاء مفاعلات نووية ثم تخصيب اليورانيوم . خلال تلك الفترة الممتدة من نهاية 2003 حتى 2015 كان العرب ومازالوا تائهين يعتمدون على حليفهم الاستراتيجي الولايات المتحدة دون أن يحاولوا الخروج من تحت عباءته والبحث عن شركاء آخرين أو حتى إطلاق عجلة البحث العلمي في بلادهم للنهوض بالمجتمع ومواجهة أي تهديدات محتملة إقليمية أو دولية برغم كل إمكاناتهم الاقتصادية ليثور بركان الربيع العربي ويتزعزع استقرار البحرين وتونس ثم ليبيا ومصر واليمن وسوريا وتتفاقم الأزمات الإنسانية والأخلاقية والسياسية أمام ضعف بقية الدول العربية ، ورفض الحليف الاستراتيجي التدخل لحل الصراع في سوريا رغم مرور أكثر من أربع سنوات ووقوفه حتى اللحظة في وجه وصول الإمدادات العسكرية للشعب الثائر على الطغاة والمستعمرين الجدد وغض الطرف عن تدخل إيران ومليشياتها وقتلها للأبرياء ما دفع السعودية ومجلس التعاون لاتخاذ موقف أحادي في إعادة الشرعية للرئيس اليمني المخلوع عبدربه منصور هادي ومحاربة الحوثيين مندوبي إيران في اليمن

إن إيران لايعنيها كثيرا مسألة إنتاج السلاح النووي إلا من باب التسويق لنفسها على أنها باتت ضمن النادي النووي العالمي ومجموعة الكبار بقدر ما يعنيها نهوضها اقتصادياً وتكنولوجيا وعسكرياً بعدما أنهكتها العقوبات ودعمها لحلفائها المتهالكين في لبنان وسوريا والعراق واليمن وبخاصة إذا ما عرفنا أنها تنتظر إفراج أوروبا وأميركا عن بلايين الدولار من ارصدتها المجمدة في بنوكهم بناء على الاتفاق النووي المبرم الأمر الذي سيمنحها المزيد من القوة في منطقة الشرق الأوسط ويدعم أبحاث في مجالات الصناعات المختلفة ويقدمها كسوق بكر جديدة أمام الشركات الأوروبية والأمريكية وهو ما تجلى بإعلان وزير الاقتصاد الألماني فور التوقيع على الاتفاق نيته زيارة إيران في الأيام المقبلة. لقد عرفت إيران كيف تلاعب الغرب كل تلك السنوات في ملفها النووي بينما كانت تهيئ نفسها لهذا اليوم لتخرج قوة إقتصادية وعسكرية يحسب لها مكان بين الكبار بينما أضاعوا العرب أنفسهم في زواريب المحاصصات والمقامرات على ثورات الربيع العربي وخلاف الآيديولوجيات ، فهل ينفضون عنهم غبار الترقب ويتداركون ما تبقى لهم ؟!!

الصحفي مصعب سعود

والله غالب على أمره

 

اترك تعليقاً

scroll to top