نيرون سوريا أم تشاوشيسكو

يقدم لنا تاريخ البشرية القديم والحديث أمثلة حقيقية عن استبداد السلطة من قبل الحكام، والذي أوصلهم إلى تنفيذ المجازر بحق ملايين المواطنين الأبرياء، الذين أما عارضوهم أو خالفوهم بالرأي أو الدين أو العرق أو طالبوا بحقوقهم المشروعة في الحياة سلمياً والتي كفلتها كل الشرائع السماوية.

ولعل الإمبراطور الروماني نيرون (نيرو) حارق روما مثال خالد في التاريخ الإنساني القديم عن شهوة السلطة وفسادها وكيفية بطشها بالرعية، فوصوله إلى الحكم كان بطريقة القتل والخداع والمكيدة والدسيسة واتهام معارضيه بالخيانة والتآمر، ثم كان إغداق العطايا وإباحة الفساد والشهوة الجنسية والانحلال الأخلاقي والاجتماعي لنسف بنية المجتمع ،ومن ذلك يمكن معرفة الفكر الذي أدى إلى تسلط تلك السلطة وضياع الاقتصاد والحقوق وتخلف وتأخر المجتمع وتذمر العامة لفترة زمنية ،الأمر ذاته الذي أصبح سبباً رئيسياً لاحقاً في الثورة ضدها وإسقاطها.

  لم يكن نيرون مسلماً لتكون تهمة الإرهاب والتطرف حاضرة كما يفعل العالم اليوم بزعامة الولايات المتحدة ،ولم يكن داعشياً ولا جهادياً من جبهة النصرة أو تنظيم القاعدة ،أو أي فصيل إسلامي يقاتل لأجل الحرية والقضاء على الاستبداد والاستعمار الداخلي المرتبط بإسرائيل في بلادنا العربية ليصدق توصيف الغرب عليه أنه متطرف وقاتل ومتعطش للدماء بغية تشويه الثورات العربية وإعادة إنتاج الأنظمة المجرمة العميلة بصورة جديدة.

نيرون الإمبراطور الروماني الغربي ابن الداهية (أغربينا) مثال حيّ لمعنى الاستبداد والطغاة والإرهاب وفساد السلطة فالآلاف الذين قُتلوا للحفاظ على كرسي عرشه هم من المسيحيين حصراً ومنهم  (بطرس وبولس) وذلك مؤرخ في مكتبات أوروبا العظيمة، ولو أسقطنا ما أوردنا باختصار مقتضب على الواقع السوري منذ نحو 50 عاماً لوجدنا الطاغية حافظ الأسد وبشار الأسد صورة طبق الأصل عن نيرون بتخطيط ودعم من الداهية (أنيسة).

من مؤامرة وكذب وخداع ورشوة وبطش وشهوة جنسية وفساد أخلاقي واجتماعي وماض مشبوه وعمالة للخارج إلى سدة الحكم وانفراد واستبداد بالسلطة وقتل الأعوان الذين ساهموا ببلوغهم ذلك لاحقاً ثم ضياع الدولة والاقتصاد وتحليل الحرام وسرقة المال العام وتخلف المجتمع وعدم قبول الإصلاح ورفض الآخر وتنفيذ أبشع وأفظع أنواع التعذيب التي عرفتها البشرية بحق المعارضين إضافة إلى المجازر بحق الأبرياء والآمنين سابقا منذ \حماة\ في ثمانينات القرن الماضي إلى المئات وربما الآلاف اليوم خلال الثورة السورية وتدمير أكثر 60 في المئة من سوريا اقتصاديا وزراعياً وصناعياً وخدماتياً حتى اللحظة في سبيل الحفاظ على كرسي السلطة.

نيرون دون اسمه في مزبلة التاريخ التي لا ترحم وكذلك بشار الأسد وطغمته الفاسدة ليبقوا عبرة للأجيال القادمة وانجازاتهم من مجازر وفساد وحياة ماجنة ..الخ لعنة ستبقى تلاحقهم لتقضي عليهم بينما روما حيّة خالدة وعظيمة في التاريخ الإنساني وسوريا أصل الحضارة ومنتهاها ستنهض من تحت الدمار قريباً لتبني المستقبل الذي يليق بأبنائها وتاريخها العريق.

ويحضرني هنا قول الشاعر محمود درويش

يا دامي العينين و الكفين !

إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية

و لا زرد السلاسل !

نيرون مات ، ولم تمت روما …

بعينيها تقاتل !

وحبوب سنبلة تجف

ستملأ الوادي سنابل ..!

  أما الزمن الحاضر فشهد إعدام ومحاسبة عشرات الطغاة في العالم العربي والغربي رغم هروب البعض لسنين متناسين أن العدالة الإلهية حيّة لا تموت ولعلنا نذكر حادثة إعدام طاغية أوروبا الشهير تشاوشيسكو رئيس رومانيا كدليل على أن المسلمين (السنة) ليسوا هم مصنع الإرهاب والتطرف كما تروج أميركا وأعوانها وقد تم ذلك في محاكمة لم تستغرق اكثر من ساعتين في ليلة عيد الميلاد 25 ديسمبر عام 1989 ليكون عبرة لكل طغاة العصر بعدما قضى في سدة الحكم 24 عاماً.

تشاوشيسكو الذي أعدم مع زوجته إلينا رمياً بالرصاص أمام عدسات المصورين بتهم ارتكاب جرائم ضد الدولة، والإبادة الجماعية وتدمير الاقتصاد الروماني لا يختلف عن بشار الأسد الذي بدل أن يقدمه العالم لمصير مشابه يدفع به اليوم وبعد نحو خمس سنوات من القتل الممنهج والإبادة الجماعية بحق الشعب السوري لتصويره كحمامة سلام وشريك رئيسي ومخلص للبشرية من الإرهاب الإسلامي (السني) على حد وصفهم ولتحقيق ذلك خلقوا جوقة من المرددين المتآمرين المرتبطين بمكاتب المخابرات الدولية باسم معارضة سورية ولو اختلفت هنا وهناك التسميات والتوصيفات ليكون التسويق والبيع مقنعاً ومثمراً وحلالاً وتنجح صفقاتهم.

ذلك الوطن الذي ثار لأجل حريته أحرار سوريا بكل طوائفها وأعراقها وقومياتها ذلك الوطن الذي استعبد من قبل عائلة الأسد وحثالة من اللصوص والمنتفعين لأكثر من أربعة عقود خلف صورة واهية اسمها حزب البعث القائد للدولة والمجتمع كما يعرف نفسه والتي أخفت خلفها قطعان من القتلة واللصوص والعملاء والمجرمين والماجنين والمتآمرين.

ذلك الوطن ممنوع على الانسان فيه التعبير عن رأيه ممنوع أن يرى أحد خارج رؤية القائد وأن يقول غير قول القائد وأن يقترع لأحد مغاير لما يريد القائد الكلام محسوب عليك والحيطان لها آذان والكل خدم لعنصر المخابرات وعبيد للقائد من يسرق رغيفا يأكله تقطع يده وقدمه من خلاف ومن يسرق خيرات الوطن والمال العام يكافئ ويقرّب من القائد من يرفض الخضوع للقائد ويشير للخطأ مكانه السجن والاضطهاد والتهجير إن بقي حيّا ومن يسبّح القائد ويمجده ويبيع شرفه وأهله يعتلي أعلي المناصب ويصبح من المقربين لن يتجرأ أحد في عهد هذا القائد على قطع طريق فقطاع الطرق تحت أجنحتهم يلعبون وبأمرهم يأتمرون ولن يتجرأ أحد على الاقتراب من أنثى قادمة في منتصف الليل فالخوف الذي في الأعماق حيّ ينبهنا أن هناك مخبرين متواجدين ليلاً ونهاراً وفي كل شبر من طريق لذلك حتى صغار اللصوص والمجرمين يصبحون أكثر خوفاً على الانثى كي لا يتهموا بهم ومن يريد المتعة في بلد الحرية الأسدية فليأتي إلى بيوت الدعارة التي أصبحت تعمل تحت جناح كبار مسؤولي الدولة أما الفلاحين فهم في خير نعمة الدولة تشتري رغماً عن أنفهم محصولهم حتى لو كان السعر بخساً والاعتراض يعني مصادرة أرضك أو فقدانك لمحصولك أو اتهامك بالتآمر على الاقتصاد الوطني الذي تبين أنه بيع بسوق النخاسة من قبل أزلام النظام وقد كافأت الدولة فلاحي البادية فمنعت زراعتها البعلية منذ العام 1991 وهجرّت بذلك سكان عشرات القرى ودمرت بنيات اجتماعية وزراعية كانت قائمة وأكرمتهم ليصبحوا خدماً وعبيداً في المدن أما التجار والصناعيين فهم بألف خير مادام شريكهم المضارب أحد أقرباء المجرم ومن أبى منهم ذلك وضماناً لحفظ حياته عليه التقدم طواعية بممتلكاته لحامي الحمى ثم يرحل قسراً عن سوريا ويأتيك بعد كل هذا من يتبجح أن سوريا كانت آمنة ومستقرة ويلعن ويشتم بالثورة.

الدين العام والاستعباد والبطش والدموية والإرهاب والقتل وارتفاع مستوى الفقر والبطالة بين المواطنين وسرقة تاريخ الدولة وآثارها والمال العام والتدهور الأخلاقي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتشوية بنية المجتمع سمات اشترك بها كل طغاة الكون ولم تقتصر تلك السمات على (المسلمين) أو (المسيحيين) وكذلك النتيجة الحتمية لأشخاصها فهم إلى مزبلة التاريخ والدول ستنهض وتقوم من جديد لتكمل مسيرة الحرية والحضارة الإنسانية.

لم يشرّع الإسلام قتل النفس الآمنة بل جعل ارتكابها من الكبائر وقد أخبر الله عز وجل على لسان نبيه أن العقاب سيكون في الدنيا والآخرة وليتذكر العالم أن المسلمين الذين يتهمونهم بالإرهاب والقتل قدموا لهم نتاج الحضارات القديمة بعدما طوروها وصقلوها لتنطلق أوروبا من عصور الظلام إلى المستقبل ولو تدبر الغرب فيما قامت عليه قوانينهم الوضعية من مبادئ وقيم لوجدوا أنها تستند في غالبيتها إلى الشريعة الإسلامية السمحاء.

السوريون لا يطلبون إلا العدالة والإنصاف رغم يقينهم بتآمر العالم عليهم لكن قناعتهم بعدالة رب السماء قائمة والقصاص سيكون حتماً لاحقاً القاتل يقتل ولو بعد حين والأيام دول.

الصحافي: مصعب السعود

اترك تعليقاً

scroll to top