نظرة ثورية ( ثوابتنا الثورية بين تركيا والبي واي دي الكردي )

 استقبل الرئيس الفرنسي في الشهر الثاني من العام الحالي رئيسة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي مع قيادية في وحدات حماية الشعب الكردية بزيها العسكري في قصر الإليزيه ، الأمر الذي يخالف الأعراف الدبلوماسية الباريسية المتبعة في القصر ،ويدعو إلى إعادة قراءة للموقف الفرنسي من القضية الكردية في سوريا . وقد يدل هذا الموقف الفرنسي غير المسبوق أن فرنسا وجدت معارضتها المعتدلة الجديرة بحمل سلاحها خاصة بعد الشرعية الدولية التي حصلت عليها هذه القوات في قتالها وتنسيقها مع قوات التحالف والذي أثمر بدحر تنظيم الدولة الإسلامية من عين العرب. واليوم يحتل الشمال السوري مكانه في محور النقاشات المتعلقة بسورية. الأمر نفسه الذي عشناه آخر مرة عندما أعلن “PYD” ما أسماه كنتونات في ثلاث مناطق منفصلة عن بعضها بعضاً جغرافياً فمنذ ذلك اليوم والنقاشات تدور حول ما إذا كان “PYD/ PKK” سيشكل دويلة مستقلة أو فيدرالية للـ “PKK” في الشريط الممتد من الحدود العراقية إلى البحر المتوسط.

كَسبَ “PYD” ساحة أرض في تل أبيض بدعم جوي من الولايات المتحدة، وهذا ما قوى الرابط بين الحسكة وحلب، مما أدى بشكل طبيعي إلى تراجع داعش على طول الحدود التركية، وتوسيع منطقة حكم “PYD” لكن هناك ظاهرتان تستحقان البحث:

الأولى هي السؤال حول وضع الولايات المتحدة في المشهد العام ، ففي قضية كوباني أعطت الولايات المتحدة كما فرنسا انطباعاً بأنها وجدت الشريك الذي ستتعاون معه في القتال ضد داعش في سورية، وسيلعب هذا الشريك دوراً في تشكيل هذا البلد، إضافة إلى أنها مسرورة من ملء “PYD” الفراغ. يبدو أن البائع والمتشري مسروران من هذه العلاقة، وهكذا ظهر راعٍ للـ “PYD”، وكما ظهر للولايات المتحدة وكيل يقوم بأعمالها على الخط السوري العراقي. فالولايات المتحدة اشتهرت بتقديم الدعم للأطراف الخاطئة في ساحات القتال. من الواضح أن العلاقات البراغماتية الراهنة للولايات المتحدة الأمريكية مع “PYD”، تُكسب مساحة للطرفين. ولكن جهود الولايات المتحدة الأمريكية بإبراز “PYD”، لا تحمل إلا مصالح آنية وقتية غير قابلة للاستمرار على المدى البعيد.

أما الظاهرة الثانية فهي الجهود الرامية إلى هندسة السياسية الديموغرافية التي تُنفذ في شمال سورية بذريعة داعش، والدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لهذه الجهود بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه الادعاءات خطيرة إلى درجة عدم إمكانية تمريرها بمقولة البيت الأبيض: “نحن قلقون”.

  فمن أصل 950 كلم وهي الطول الإجمالي للحدود السورية – التركية، سيطرت «وحدات حماية الشعب الكردي» حتى الآن على 750 كلم. وتعتبر سيطرتها قبل أيام على معبر تل أبيض مع الحدود التركية ومدينتها المسكونة بغالبية عربية سنّية، مرحلة استراتيجية في مشروع بات واضح المعالم، وهدفه إنشاء حزام أمنيّ كردي سوري يمتدّ على طول الحدود مع تركيا ويؤدّي أيضاً الى فصل مناطق «داعش» في سوريا عن تركيا. حيث ستتّجه وحدات حماية الشعب الكردي  بعد سيطرتها على تل أبيض للسيطرة على مدينة جرابلس ومِعبَرها عند الحدود السورية مع تركيا، وستؤدي سيطرتها المتوقعة عليها نتيجة دعم التحالف الدولي المحسوم، الى رسم الشكل النهائي لخريطة الديموغرافيا الكردية في سوريا المرشحة لأن تُدشّن مسار ولادة صيغة «كردستان 2» في المشرق. وتسلط معلومات متقاطعة مستقاة من تقارير ديبلوماسية ومصادر متابعة الضوء على هذا التطوّر، انطلاقاً من خفايا تكشفها عن وقائع سبقت معركة تل ابيض ومهّدت لها، إضافة إلى دلالاتها على مستقبل سوريا وموقعها غير المرئي داخل سلّة الأهداف الحقيقية للحرب الدولية ضد «داعش»  . 

ماذا عن تفاصيل كلّ هذه الخفايا؟ سبقت كما يشير مراقبون بدء معركة تل أبيض ومثّلت انطلاق مشروع تنفيذ انشاء المنطقة الكردية على طول المنطقة السورية المحاذية للحدود مع تركيا وتكشفت ضمن هذا الاطار أنه قبل أسابيع قليلة من فتح «وحدات الحماية الكردية» معركة تل ابيض، تسرّبت معلومتان عن نشاط خفي لـ صالح مسلم  زعيم حزب الاتحاد الديموقراطي التابعة له «وحدات حماية الشعب الكردي» في سوريا. اوّلهما استئجار مبعوثين له خلال الشهر الماضي شقة في شارع الشانزليزيه في باريس، وذلك تمهيداً لجعلها مقراً له صفة «مكتب تمثيلي لأكراد سوريا» في فرنسا. وثانيهما تجسّدت بكشف محازبين له يقيمون في باريس عن أنّ حزب الاتحاد الديموقراطي في صدد انشاء قناة تلفزيونية فضائية تخصّ أكراد سوريا. ويأتي هذين التطورين  تنفيذاً لنصيحة اميركية لصالح مسلم بأنّ عليه السعي لإنشاء حيثية قائمة بذاتها لأكراد سوريا تكون مستقلة عن أكراد كردستان العراق .و تلفت المعلومات نفسها التي تحاول مواكبة خفايا السيناريو الكردي القائم الآن على الحدود السورية مع تركيا، الى حقيقة تُعتبر موحية ومفادها أنّ توقيت بدء هجوم «وحدات حماية الشعب الكردي» تزامن مع صدور نتائج الانتخابات التركية التي أظهرت أنّ أكراد تركيا أصبحوا ثقلاً وازناً داخل اللعبة السياسية الداخلية التركية.

بشكل عام لابد أن تكون الصورة واضحة أمام الجميع  والتي مفادها أن السبب الظاهر في إثارة تلك الزوبعة بعكس مدينة عين العرب، تل أبيض مدينة عربية كردية مختلطة وفيها أرمن أيضا. مدينة سورية وكل سكانها موجودين تاريخيا فيها. لكن المسألة الحقيقية تكمن في أن قيادة حزب العمال الكردستاني ، المتحالفة مع ملالي قم والاسد وتدور في فلكهما، سواء في إيران أو العراق او سورية، تعتبر هذه المدن والقرى في سورية سواء كانت عربية أم كردية والمتاخمة لتركيا، تعتبرها قاعدة لوجستية من أجل تقوية موقعها العسكري ضد تركيا.

فالمسألة ليست وليدة الآن، بل تعود أساسا للحظة دخول حزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان لسورية وتحالفه مع الاسد1984، لهذا الحزب تاريخ حافل، بإجهاض اي تحرك معارض للأسد في تلك المناطق. حتى انتفاضة 2004 الكردية ضد الاسد لم يشارك بها وأجهضها أيضاً، إضافة لقمع الأسد.

  ومنذ بدء الثورة أعلن هذا الحزب موقفه الواضح مع الأسد وايران. كما أجهض انتفاضة (مهادباد) الكردية في إيران قبل شهر ونصف تقريبا. تحالفه السابق والحالي مع حكومة إيران في العراق أيضا ، ولاتزال كما كانت أول الثورة قوات    PYg  هي الوحيدة التي تحمل السلاح تحت راية الأسد في القامشلي الآن، وفي عفرين أول الثورة عندما قامت بقمع التظاهرات الكردية المناهضة للأسد.

ومن جانب آخر أنهى مجلس الأمن القومي التركي اجتماعاته بتاريخ 29 حزيران 2015م لوضع السيناريوهات المحتملة للتدخل التركي في الأراضي السورية للحد من خطورة الميليشيات الكردية بوضع خطة مفادها التدخل البري المباشر ودعم كتائب الثوار بالغطاء المدفعي الأمر الذي يؤكد على صدق الموقف التركي من الثورة السورية وحرصه على سوريا الدولة المتمثلة بوحدة ترابها ، ( وهو التقاء مصالح محمود ) .

 وليعلم الكرد في سوريا أنه لم يصدح شعب لا في إيران ولا في العراق ولا في تركيا، بكلمة (آزادي) كما صدح وغنى بها الشعب السوري إذا كنت تذكرون بدايات الثورة، وفي حوران الآن يسمون ابنائهم وبناتهم (آزادي). فالمسألة تحتاج لمعرفة التحالفات السياسية ومن تخدم لكل قوة بمعزل عن عربيتها وكرديتها، ومحاولتها اثارة خطاب عنصري شوفيني. سورية لنا جميعا كتل ابيض.

والله غالب على أمره

 14 رمضان 1436ﮬ  الموافق 1تموز 2015م

اترك تعليقاً

scroll to top