نجح الجبير وسقط لافروف

ربما كان الجديد في مؤتمر الجبير لافروف هو إعادة تسويق الدب الروسي كشريك استراتيجي في المنطقة من خلال الإعلان عن التوصل لعدة اتفاقيات ثنائية اقتصادية وعسكرية ،توجّها السعوديون برغبتهم الحصول على منظومة صواريخ “إسكندر” المتطورة، فضلاً عن صراحتهما ووضوحهما بشكل لا لبس فيه حول موقف البلدين تجاه الصراع في سوريا ،وسبل الوصول إلى حل يضمن ما تبقى من مؤسسات قائمة ويوقف سيل الدماء بما يحفظ مصالحهما في المنطقة.
لقد كانت المملكة واضحة كعادتها في مقاربتها للحل المرتكز إلى رؤية ورغبة الشارع السوري المنتفض ضد الطغاة منذ نحو خمسة أعوام والمستند إلى مبادئ (جنيف 1) التي تعني تشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات لمرحلة انتقالية مع تعديل الدستور وإعادة بناء المؤسسة العسكرية ما يضمن حماية أمنها القومي والخليجي ومركز استثمار لرؤوس الأموال الخليجية بزوال نظام الأسد، لكنهما عادا واختلفا ظاهرياً على مصير الأسد هل ضمنها أم لا !. قال وزير الخارجية السعودي (عادل الجبير) صراحة: ” أما أن يرحل الأسد بحل سلمي أو يرحل من خلال العمليات العسكرية” لا مجال للخطأ في ذلك المؤتمر الذي استمر لأكثر من 78 دقيقة والمنعقد على حافة الهاوية في الشرق الأوسط ،الأمر الذي دفع لافروف للتعقيب على ذلك بالقول: “إن سقوط الأسد بعملية عسكرية تعني سيطرة (داعش) على كل سوريا” ! كيف لا والرجل يعرف قدرات هذا التنظيم ،فاستراتيجيته في احتلال المناطق المعادية للنظام والموالية للجيش الحر يمكن اعتباراها أجندات مخابراتية محددة متفق عليها ليسقط هنا لافروف ويعترف بطريقة غير مباشرة أن التنظيم أداة مخابراتية من قبل الجميع.
لقد استشعرت السعودية التي استطاعت قطع أغلب أصابع الأخطبوط الإيراني من اليمن (الحوثيين) والتي دفعت أوراقها على الأرض السورية للعمل والتقدم وقلب الموازين حجم الضعف في قوات نظام الأسد في إدلب وحلب ودرعا ما جعلها أكثر قوة في الطرح من الدب الروسي في حين تخشى موسكو السقوط المفاجئ للأسد وتبعاته الطبيعية من قبل الشارع السوري تجاهها باعتبارها شريكة في قتل السوريين خلال الثورة بمدها المجرم بكل أنواع الأسلحة الثقيلة واستخدامها الفيتو في جميع قرارات مجلس الأمن التي تدين الأسد لعدم وضعها تحت الفصل السابع ،الأمر الذي سيترتب عنه خسارتها لقاعدتها العسكرية في طرطوس ،وخسارتها لامتيازات الغاز الهائلة التي عقدتها مع النظام خلال العامين الماضيين ،وخسارتها من مستقبل وجودها في الشرق الأوسط ،بينما ترى السعودية المحببة للشعب السوري بغالبيته نتيجة وقوفها إلى جانب مطالبه أن زوال النظام عسكرياً بات قاب قوسين إذا لم ترغب روسيا بالضغط على إيران والأسد وطغمته الفاسدة لإنهاء المأساة والرضوخ للحل السلمي ومبادئ (جنيف 1) ،وتؤكد كما ورد على لسان (الجبير): “أن قاتل أكثر 300 ألف إنسان ومهجّر أكثر من 12 مليون من شعبه هو فاقد للشرعية” بكل المقاييس الدولية والشرائع الإنسانية والسماوية.
لقد اتفق الجانبان على محاربة الإرهاب بكل أشكاله لكن اختلفا في الأولوية إذ اعتبر لافروف أن محاربة الإرهاب ضرورة تقدم على أي صراع آخر وتقتضي شراكة على الأرض بين الجيش العراقي والسوري والسعودي وفصائل كردية باعتبار أن ضربات التحالف لم ولن تغير شيء في هذا الامر ،ومن بعد يكون حل للصراع بينهم، بينما أكد الجبير أن ظهور داعش ومثيلاتها هو نتيجة طبيعية لمجرم يقتل شعبه، وللقضاء على هذه الظاهرة يجب القضاء على القاتل أولاً مشيرا إلى أنها تخوض حرباً على الإرهاب الذي تصدّره إيران والأسد وبأشكال مختلفة إلى منطقة الخليج منذ أعوام وأنها شريكة في الحرب على داعش.
لعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن الدب الروسي بات أكثر قلقاً نتيجة تسارع وتطور الأحداث على الساحة السورية ،فصمود الزبداني الأسطوري بوجه ميليشيات حزب الله لأكثر من 40 يوماً ،وتقدم الثوار في داريا والفوعة وكفريا وكامل سهل الغاب ،وسقوط القذائف على دمشق كان مفاجئاً لهم .الامر الذي سيدفعهم لتغيير حساباتهم للحفاظ على مصالحهم بعدما وجدوا ان أمريكا وإيران يسبحون في فلك واحد والسياسة لعبة مصالح ،وبما أن مصالحهم هي اقتصادية في المقام الأول فإن السعودية تفتح لهم باباً لإعادة إطلاق عجلتهم الاقتصادية اليوم من خلال عدة اتفاقيات ،وتضمن في حال قبولهم بطرحها التخلي عن الأسد مصالحهم المستقبلية في سوريا بعد سقوط النظام.
إن الحراك الدبلوماسي الذي انتهجه لافروف مع كيري خلال الأسبوع الفائت ،وعودته المخيبة من الدوحة والذي أتبعه تصريحات الجبير القوية من قلب العاصمة موسكو ،وانفراد تركيا بالقرار في الشمال السوري ،وسعيها لإقامة منطقة آمنة بمفردها مع بدء السوريون شمالاً باعتماد العملة التركية في معاملاتهم التجارية ،في وقت تراجعت فيه معنويات المليشيات الشيعية الإيرانية واللبنانية والعراقية المقاتلة إلى جانب النظام، إضافة إلى الخسائر التي مُني بها على الأرض كل ذلك باعتقادنا سيُعجل من تغيير الموقف الروسي في التعاطي مع الصراع في سوريا ،وقد بدأت ملامح ذلك التغير تتضح بلقاءات موسكو مع رئيس الائتلاف الوطني خالد خوجة ،أما الموقف السعودي المستند لمجريات الأرض فنرى أنه سيصبح أقوى طالما هناك تقدم للثوار على الأرض وسيتراجع إذا ما حدث العكس.

بقلم الصحافي مصعب سعود

اترك تعليقاً

scroll to top