معركة الرقة واحتمالاتها لدى أطراف الصراع

            النقيب محمد علوان

ضابط في المجلس الاستشاري

أعلنت وحدات حماية الشعب الكردي – المكون الرئيسي الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية – عن بدء معركة الأستيلاء على مدينة الرقة ، وقد استطاعت منذ حوالي الشهرين أن تستولي على معظم أجزاء الريف و خصوصا مدينة الطبقة و مطارها العسكري ، لتُحكم بذلك حصار المدينة من اتجاهين أساسيين وهما المحور الشمالي و المحور الغربي .
لا يمكن فصل هجوم الانفصاليين على مدينة الرقة عن المعارك الجارية في البادية و التي تشكل المساحة الجغرافية الأكبر في سوريا ، حيث يحاول كل طرف من أطراف النزاع السوري أن يقضم أكبر مساحة ممكنة من مناطق داعش ليوسع بها مناطق نفوذه و سيطرته في سوريا ، أما بالنسبة لداعش فيبدو أنها فقدت القدرة على الثبات والحفاظ على مناطق سيطرتها ، فسرعان ما تنهار أمام القوة المهاجمة .
الموقف التركي من معركة الرقة :
يتجلى الموقف الرسمي التركي من معركة الرقة في تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، والذي لا يدخر فرصة أو ظهور أعلامي إلا ويرسل تهديدات للإنفصاليين ، ويحذرهم من استحالة قبول بلاده لاقامة أي كيان كردي انفصالي على الحدود الجنوبية لبلاده ، ومن الناحية العسكرية لا يكف الجيش التركي عن ارسال قذائف تحذيرية للانفصاليين وذلك من خلال القصف المدفعي و الجوي لمناطق سيطرتهم في الشمال السوري ، ومن الناحية السياسية فقد طلبت تركيا من الإدارة الأمريكية الكف عن تسليح الانفصاليين و لكن دون أي استجابة من الأمريكيين ، حيث قامت أمريكا مؤخرا بإرسال دفعة كببرة من الأسلحة للانفصاليين ، مبررة ذلك لتركيا أن هذة الأسلحة مخصصة فقط لمعركة الرقة و أن الذخيرة ستستنزف في المعركة .
الطموح الإنفصالي لوحدات حماية الشعب الكردي ypd :
من يتابع السلوك العسكري و السياسي اليومي للأنفصاليين يستطتيع أن يقرأ جيدا أنهم لم يكلوا أو يملوا من فعل أي شيء يقربهم من تحقيق مشروعهم الانفصالي في الشمال السوري ، ويتبلور ذلك في عدة أمور :
1- قدم الانفصاليون أنفسهم للإدارة الأمريكية على أنهم الشريك المطيع لها و الحليف الذي ينفذ الأوامر بدقة ، وهذا ما تجلى عندما أعلن الأنفصاليون” أنه لن تكون أراضيهم ممرا لعبور ميليشيات الحشد الشعبي للألتقاء مع قوات النظام ، وهذا يتماشى تماما مع التطلعات الأمريكية في المنطقة .
2-دأب الانفصاليون على الأستفادة من ردات الفعل السياسية التي كانت تحصل بين أمريكا و روسيا و تركيا ، حيث كانوا يتحالفون تارة مع روسيا و تارة مع أمريكا في سبيل حمايتهم من القصف التركي الذي كان يستهدف مناطقهم .
3- وجد الأنفصاليون أن معركة الرقة ستكون حجر الأساس لأقامة كيانهم الانفصالي من خلال وعود أمريكية بهذا الخصوص ، مع العلم أن أمريكا أعلنت مرارا أنها لن توافق على أقامة أي كيان انفصالي في سوريا .
الأستراتيجية الأمريكية في الرقة :
إن الأستراتيجية العسكرية التي تتبعها الإدارة الأمريكية في الرقة لا يمكن فصلها من حيث الجوهر عن الاستراتيجية التي تتبعها في عموم سوريا ، ألا وهي القضاء على داعش من جهة ، وإحلال قوات حليفة لها في المناطق التي حررت من جهة أخرى ، وقد رأت أن الأنفصاليين هم الطرف الأكثر التزاما بالتعليمات و هذا ما ظهر لهم منذ عامين ، عندما شنت داعش هجوما على مدينة عين العرب ، فقد قدمت قسد نفسها منذ ذلك الوقت على أنها الشريك الموثوق و الأفضل والتي يمكن لواشنطن التحالف معه ، مستغلة رفض فصائل الجيش الحر في ذلك الوقت قتال داعش على حساب تمدد نظام الأسد و ميليشياته.
أما الآن فقد بات الموقف الأمريكي في عهد ترمب أكثر وضوحا ، و يتجلى هذا في عدة أمور وهي :
1-قامت الإدارة الأمريكية بنقل الصراع العسكري من غرب سوريا إلى شرقها ، واستطاعت بذلك من جر روسيا و القوات المتحالفة معها إلى حرب البادية الشامية ، والتي ستكون حرب طويلة ذات طابع استنزاف لهم .
3- بعد جملة من التهديدات الأمريكية للميليشيات الشيعية ، قامت الإدارة الأمريكية بتوجيه عدة ضربات جوية لأرتال تلك الميليشيات ، وهنا تأكيد من الأدارة الأمريكية على أنها لن تسمح لهم بالدخول إلى المناطق التي تعتبرها الادارة الأمريكية مناطق نفوذها .
3-الإعلان عن بدء معركة الرقة ، وهو الأهم و هذا يدل على أن الأدارة الامريكية باتت تدرك جيدا أنه بطرد التنظيم من الرقة ، ستفقد روسيا دورها المزعوم في مكافحة الأرهاب .
المصالح الأمريكية في الرقة :
من يعرف التركيبة البيولوجية لترمب -وهو رجل الأعمال -يدرك جيدا أن الرجل غير مستعد لدفع تكاليف أي معركة ، إلا أذا كانت هذة المعركة ستحقق له عدة مكاسب سياسية و اقتصادية و عسكرية ، وفي الحقيقة أن هذة السياسة متبعة في كل دول العالم ، فكل الدول تحارب من أجل مكاسب معينة ، ولكن بالنسبة لترمب فالمكاسب يجب أن تكون محققة أي أنه لا مجال للخطأ ،فما هي أهم الأهداف :
1- مطار الطبقة العسكري هو الهدف المادي الأول بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ، لما يتمتع به المطار من مزايا متعددة يجعله هدف استراتيجي لها و أهمها هو عدم وجود أي قاعدة جوية أمريكية قريبة من المطار .
2- آبار النفظ المنتشرة في المنطقة الشرقية و التي تعتبر الأكثر انتاجا في سوريا .
3-الموقع الجغرافي للرقة القريبة من إيران التي تعتبرها أمريكا من الدول التي تشكل خطرا على الأمن القومي الأمريكي .
4- كبح جماح روسيا من خلال إعادة الهيبة لأمريكا.
الموقف الروسي :
إن حزم الموقف الأمريكي في معركة الرقة قزم الموقف الروسي بشكل كبير ، وحول روسيا من طرف مؤثر الى طرف متفرج ينتظر النتائج ، فلا يوجد أي قوات مدعومة من روسيا على الأرض .
حاولت روسيا أن تقدم نفسها كطرف مؤثر من خلال الزج بأرتال من قوات النظام بقصد خلط الأوراق عسكريا ، ولكن جاء الرد سريعا برفض أي دور لروسيا و من خلفها النظام في معركة الرقة .
السيناريو المحتمل للمعركة :

سيناريو الموصل لم ينتهي بعد ، وبعملية اسقاط بسيطة نجد ما يلي :
1- ستتكبد القوات المهاجمة على الرقة خسائر بشرية كثيرة ، نظرا للتك العسكري الذي يستخدمه داعش دفاعا عن مناطقه التي تعتبر حيوية و هامة بالنسبة له .
2-الخسائر البشرية الكارثية للمدنيين نتيجة القصف المفرط من قبل طيران التحالف ، فالأزمة الأنسانية المتوقعة في الرقة لن تقل قسوة عن الأزمة الأنسانية في الموصل .
3- في حال نقض الأدارة الأمريكية لتعهداتها بشأن الأنفصاليين ،فأن تركيا قد تشن هجوما واسع النطاق على المناطق الخاضعة لسيطرة الأنفصاليين في الشمال ، وهذا ما يفسر قيام تركيا بتدريب و تجهيز أكثر من عشرة ألاف مقاتل من الجيش الحر .

اترك تعليقاً

scroll to top