مايسترو أمريكي

الصحافي: مصعب السعود

333

عزف الروس وفرقة الكومبارس الملحقة بذنبهم لحنهم السياسي المنشود أخيراً، معلنين النصر المبين على (الإرهاب) الذي أوجدوه في بلادنا، وجعلوه مسوغاً لاستعمارها وتدميرها، ثم تفتيتها، واكتفى المايسترو الأمريكيون بإدارة جوقة العزف، ثم تحية الجمهور.

إنه يوم له ما بعده، كما روجت الأمم المتحدة في تفسيراتها الهاربة من بين سطور الاتفاق الأمريكي الروسي، لوقف (الأعمال العدائية) في سوريا وليس (الحرب)، والذي تم دعمه بالقرار \2268\، فلا عودة للخلف بل ومنه ستنطلق كل الأحداث اللاحقة.

قد يكون من المفيد الإشارة هنا إلى أهمية القرار المتضمن تطبيق الهدنة ، مع إطلاق العملية السياسية في السابع من الشهر المقبل ، لتشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات تنهي حقبة الطغاة، ومن بالغ الأهمية عقب خمسة سنوات من الحرب الشعواء على أهلنا، أن يتنفس المحاصرون الصعداء ولو ليوم واحد يشعرون فيه بدفء الأرض والحياة، ويتطيبون بمسك أبنائهم الشهداء، كما يؤكد القرار على وجود لجان دولية لمراقبة خرق الهدنة، كما أن طائرات المستعمر الروسي قدمت مكرمة اليوم بيوم صيانة لطواقمها وقنابلها، فلم تغزُ بعدما أُنهكوا من حرق أرضنا دون أن يستطيعوا إنقاذ (ذنب كلبهم )، إلا أن الواجب أيضا أن نوضح للسياسيين والقوى على الأرض خطورة القرار ومدى التآمر الدولي فيه.

برغم تبني القرار بالإجماع ،إلا أنه لم يتم توضيح خريطة المناطق التي شملتها الهدنة المؤقتة ، والتي عرفت بتسمية (المناطق الخضراء)، وامتنع نظام القتلة وحتى الهيئة العليا للتفاوض عن وضع السوريين بصورتها وحيثياتها بدقة، في حين رشحت معلومات تداولتها وكالات الإعلام، بيّنت أنّ المناطق هي حلب واللاذقية ومناطق من إدلب وحمص وحماة ودرعا والقنيطرة وريف دمشق، بينما يستثنى ريف حلب الشمالي والشرقي الواقع تحت سيطرة الثوار، وكذلك المناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة داعش وال ب ي د  (الأكراد) ، وبعض مناطق إدلب ،وبعض المناطق الخاضعة للنصرة، لتبقى المعلومات والخريطة الدقيقة معلقة في قاعدة \حميميم\ الروسية وأنجرليك التركية وغرفة عمليات دمشق الإيرانية.

لم تتضح بعد آلية التعاطي الدولي مع الخروقات ، والتي تم توثيق 18 خرقاً في اليوم الأول ، منها 15 خرقاً من قبل مليشيات النظام، بينما ادعى أن هناك 3 خروقات من فصائل المعارضة، فمن يحاسب من ؟! لا أحد يعرف .

برغم أن القرار 2268 يؤكد على القرارات الدولية السابقة المتعلقة بالحرب الدائرة في سوريا، وخاصة القرار 2254 إلا أنه يعتبر المعضلة أمام العودة بسوريا الوطن كدولة واحدة مستقبلا ،لذلك قد يكون الشرط الأول لدخول مليشيات صالح مسلم في أي حل سياسي مستقبلاً هو مطالبته العودة إلى حدود ما قبل 27\2\2016 ، بمعنى تأكيد اقتطاع تلك المناطق من الدولة برعاية دولية ، ويبرر هذا الرأي سرعة تدخل القوات الأمريكية بعملية نوعية مركزة لإنقاذ حليفهم \مسلم\، كلّما بات على وشك خسارة مناطق أمام القوى الثورية لتغدو (إسرائيل ب ي د) في شمال شرق سوريا.

إن سرعة التعاطي الدولي مع قرار الهدنة وربطه البدء بالعملية السياسية لتشكيل الحكومة الانتقالية يدفعنا للتساؤل، أليس هدف المجتمع الدولي الممثل بالرعاة الأمريكيين والروس دفع المعارضة لتسلم السلطة في الدولة المدمرة والمفتتة والمنهكة أمنيا واقتصاديا واجتماعيا وخدماتيا وهي تعلم أنها غير قادرة الآن على إدارة البلاد؟! إذ فعلياً تملك الهيئة تفويضا من بعض الفصائل ، وتختلف مع آخرين، وكذلك تفويضاً سياسياً من بعض القوى، وتختلف مع كثر، وبين هذا و ذاك ينظر شارع  سوري لها في المهجر والنزوح والحصار على أنها (سلطة محاصصة)، بينما يراها مؤيدو القاتل (فاسدة أكثر من النظام)، الأمر الذي لن يمكنها من إدارة المرحلة الانتقالية بكفاءة عالية، ما يدفعها للفشل السريع ليصبح بقاء نظام القتلة بشخوص جديدة والمتحكم بكل مؤسسات الدولة (المدنية) التي هي عماد الدولة، بعدما انشق الوطنيون عنها دون أن يضمن أحد عودتهم، أمر بالغ الأهمية لإعادة بناء الدولة البوليسية المطلوبة للغرب؟.

إن أمام الهيئة العليا للتفاوض والائتلاف وبقية الكتل السياسية المعارضة فترة بالغة الدقة والتعقيد، تحتاج منهم العمل كخلية نحل مع كافة السوريين الشرفاء، بغض النظر عن اختلافهم الحزبي والعقائدي، وبعيدا عن مبدأ الولاء والمحاصصة، لوضع كل السيناريوهات المحتملة، إذ قد تفشل الهدنة بأي لحظة وتعود الحرب المجنونة والتي قد تمتد للإقليم ككل، دون أن تتمكن أمريكا من إيقافها هذه المرة، أو قد تستمر بضغط العالم المتخوف من حرب كونية وتبعاتها لتنتج حل سياسي شبه مقبول للسوريين، لذلك عليهم إدارة المعارك السياسية بكفاءة ووضع الخطط والتصورات لكل مرحلة مسبقاُ وعدم انتظار وقوع الأحداث كما جرى خلال السنوات الماضية، أما عسكريا فالقادة والثوار في القوى الثورية السورية يؤدون واجبهم بحسب الإمكانات المتاحة على أكمل وجه، ويبقى أمامهم الإلتزام بكيان عسكري واحد ليكونوا عماداً للجيش الوطني السوري.

لن يقيس السوريون نجاحاتكم بقرارات الأمم المتحدة ، بل بأفعالكم في إدارة المعارك السياسية ونتائجها على الأرض، وما التزمتم تحقيقه في الثورة.

ينبغي لنا كسوريين أن نحلل واقعنا جيداً للنهوض ، وتلمس طريق الحياة والخلاص من المأساة التي عزف لحنها العالم كما يريد العم سام، فقد أثبتت الوقائع أن المايسترو الأمريكي سيبقى منفرداً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top