ماوراء تعنت روسيا في دعم نظام الاستبداد الطائفي في دمشق

اللواء سليم إدريس

يتساءل الكثيرون عن أسباب الاندفاع الروسي نحو دعم نظام الاستبداد الطائفي في دمشق ، واليوم وبعد مرور ما يزيد عن ست سنوات على الثورة السورية لم يحدث أي تغير إيجابي في الموقف الروسي وعلى العكس من ذلك فقد ازاد الدعم الروسي لنظام الإجرام في دمشق وانتقل منذ أكثر من سنة ونصف تقريبا إلى تدخل عسكري مباشر. فلماذا كل هذا الاندفاع الروسي تجاه سوريا؟
هناك أسباب عديدة تقف وراء تعنت روسيا في دعمها للنظام السوري ولعل من أبرز هذه الأسباب:

1- المال، إذ بصرف النظر عن عقود تسلح بقيمة أربعة مليارات دولار فقد ذكرت صحيفة موسكو تايمز في تقرير لها أن الاستثمارات الروسية في البنية التحتية والطاقة والسياحة السورية بلغت 19.4 مليار دولار عام 2009.

2- حماية مصالح روسيا في سوريا، حيث أن لدى موسكو مصالح اقتصادية وعسكرية كبيرة وخصوصا القاعدة العسكرية التابعة للبحرية الروسية في مدينة طرطوس، والموجودة هناك منذ فترة الاتحاد السوفييتي. يضاف إلى ذلك ضمان استمرار بيع الأسلحة، حيث أن العمليات الروسية في سوريا وعمليات استعراض الأسلحة من طائرات وصواريخ وأنظمة عسكرية يعتبر دعاية للتصنيع العسكري الروسي.

3- يعتقد الروس أن الثورة في سوريا ربما ستكون لها تداعيات أسوأ مما حصل في ليبيا من حيث العنف الطائفي وتأثيرها المحتمل على دول الجوار لا سيما لبنان وإسرائيل .

4- يبدو أن ظلال ما حصل في ليبيا يؤثر كثيراً على سياسة روسيا مع سوريا، وهو ما أكدته تصريحات لافروف بهذا الشأن عندما قال : “إن روسيا ستقوم بكل ما في وسعها للحيلولة دون تكرر سيناريو ليبيا في سوريا” .

5- مخاوف روسيا الحقيقية الجيو إستراتيجية، إذ تخشى من انتقال عدوى الحرب في سوريا إلى مقاطعات روسيا نفسها مثل داغستان ومناطق القوقاز الشمالية.
66- إن الحكومة الروسية تتسم بطابع محافظ فهي تمقت الثورات فهم يرون أن التحول إلى الديمقراطية يقود مباشرة إلى الأسلمة ، وإلى وصول كميات كبيرة من أسلحة النظام إلى أيد يعتبرونها بغيضة.

7- تستبد بالروس الشكوك في أن الدافع الحقيقي وراء ضغوط الغرب على دمشق هو تجريد طهران من حليفتها الوحيدة في المنطقة.

8- ترى موسكو أن النشاط، الذي تضطلع به دول الخليج في الشأن السوري سيؤدي إلى تزايد النفوذ الإقليمي للمملكة العربية السعودية، خصم إيران اللدود في المنطقة.

9- الحفاظ على المصالح الاستراتيجية، حيث يبعث الرئيس فلاديمير بوتين رسالة للعالم بتدخله في سوريا مفادها أن روسيا لا تزال قوة يعتد بها على الساحة الدولية.

10- قتال الجماعات الإسلامية، حيث يوجد قلق في الكرملين من تنامي هذا الخطر الذي أدى لاستهداف روسيا بعدد من الهجمات نفذها إسلاميون الشيشان منذ العام 1990 مع وجود قناعة لديه أن تغيير النظام السوري في الوقت الراهن لن يكون في مصلحة روسيا في المدى المتوسط أو البعيد. و يضاف إلى ذلك تعقيدات العلاقات الروسية– الأميركية وهواجس موسكو من قيام نظام إسلامي متشدّد في سوريا على أنقاض النظام العلماني الراهن، ويمكن ربط هذه الهواجس الروسية بالتجارب القاسية التي واجهتها موسكو في مواجهة الحركات الإسلامية والانفصالية في الشيشان وبعض جمهوريات القوقاز ذات الأكثرية الإسلامية.

11- رفع الدعم للرئيس بوتين داخليا، حيث أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا بعد ضمها لشبه جزيرة القرم من أوكرانيا، وتدني أسعار النفط دفع الملايين من المواطنين الروس للدخول في الطبقة الفقيرة، وأن العمليات في سوريا تشغل الناس عن الأوضاع الداخلية وترفع الاعتزاز بالوطنية.

12- دعم «الأسد» يناسب خطط «بوتين» لاستعادة روسيا كقوة عظمى معارضة للغرب و دعم «الأسد» بالنسبة لبوتين يعني وضع إصبع الإبهام في عين البيت الأبيض. قد تزعم موسكو أنها تخوض حربا ضد الإرهاب عبر دعم «الأسد»، ولكن «بوتين» يسعى أيضا لتعزيز دعمه المحلي عبر جمع شعبه حول رأيه في مواجهة العدو الخارجي المتصور. في الواقع، اتبع «بوتين» نهجا مماثلا في أوكرانيا وأجزاء أخرى من الاتحاد السوفيتي السابق عندما ادعى الحاجة إلى حماية الأقليات الروسية. وقد أثبت هذا النهج فعالية على الأقل على المدى القصير بعد ضم شبه جزيرة القرم في مارس/ أذار 2014 حيث أظهرت التقييمات ارتفاع معدلات الرضا عن «بوتين» إلى ما يفوق 800%. إنها ليست المرة الأولى التي يستفيد خلالها «بوتين» من قرار الذهاب إلى الحرب. فقد دفعت مطالبات مكافحة الإرهاب «بوتين» إلى السلطة في عام 2000 بعد سلسلة من التفجيرات في سبتمبر 1999 في موسكو وعدة مدن روسية أخرى، وألقى «بوتين» باللوم بسرعة على الإرهابيين الإسلاميين من جمهورية الشيشان في شمال القوقاز.

13- ترى موسكو أن إسقاط نظام الأسد يعتبر مقدّمة لإسقاط النظام الايراني، ويشكّل ذلك خسارة استراتيجية كبرى لروسيا، بحيث تفقد حليفيها الوحيدين في منطقة الشرق الأوسط. كما سيؤثّر حتمًا على الدور الذي تطمح روسيا إلى الاضطلاع به من جديد كقوة رئيسة في التوازنات الدولية الجديدة، خصوصًا في ظلّ تراجع مستوى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

14- تبدي القيادة الروسية حرصًا شديدًا على ربط مواقفها تجاه الأزمة السورية ولجوئها إلى استعمال حق النقض بموضوع الحفاظ على مفهوم الدول وحقّها وسيادتها، والذي لا يجيز بالمطلق للدول الأخرى التدخّل في الشؤون الداخلية لدولةٍ ما. وهذا الأمر لا يشمل التدخّل العسكري فحسب بل يتجاوزه إلى رفض نظام العقوبات الاقتصادية. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن موسكو تدرك الآن مدى التراجع الحاصل على مستوى «الشرعية الدولية» في احترام حق سيادة الدول، وأن روسيا والدول التي كانت عضوًا في الاتحاد السوفياتي باتت معرّضة لتدخّلات خارجية في أمورها الداخلية. ويربطون هذا الموقف الروسي بالهواجس والمخاوف التي تؤرق القادة الروس من إمكان تطبيق مثل هذه المقاربات التي يعتمدها الغرب في قلب نظام الحكم في بعض الدول السوفياتية السابقة أو في داخل بعض الكيانات التي هي جزء من الاتحاد الروسي.

سياسات روسيا الداعمة للنظام المستبد في سوريا قد تنقلب بهزيمة ذاتية. موسكو قد ترغب في مشاركة محدودة، ولكنها يمكن أن تنجر إلى حرب حقيقية، ويرى كثيرمن المحللين أن هناك مشاكل كثيرة تعاني منها روسيا لا تمكنها من الاستمرار إلى اللانهاية في التمسك بهذا الخط فقد أشار بعض المحللين الروس بالفعل إلى أن «بوتين» يخشى أن تكرر روسيا في سوريا نفس أخطاء الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان في الثمانينيات، وهي الحرب التي أسهمت بشكل كبير في سقوطه. روسيا تعاني من الأوضاع الاقتصادية الصعبة ، ومن تناقص عدد السكان، ومن الإنفاق الدفاعي غير المستدام، وغيرها من المشاكل طويلة الأمد. ولكن هذه الصعوبات يبدو أنها تغذي فقط عدوانية «بوتين». والواقع أنه كلما صارت روسيا أضعف كلما صارت أكثر خطرا.

اترك تعليقاً

scroll to top