كيف ننتصر ؟

منذ بدء الغارات الروسية في بلادي، نهاية الشهر الفائت وأنا أحاول قراءة المشهد بطريقة مختلفة، وبتجرد، بعيداً عن أية مؤثرات قد تؤثر في الرأي المخصص ضمن هذه المقالة الضيقة، إذ نحن أمام شهور قليلة وتكمل ثورة الحرية والكرامة عامها الخامس وما زلنا في تيه لا نعرف درب الخلاص منه.

عندما أحرق محمد البوعزيزي نفسه في تونس، لم يكن يعلم أنه شرارة لشارع ثائر قابع تحت حكم أنظمة ديكتاتورية، كما لم يتوقع أشد المتعاطفين معه أن نظام بن علي البوليسي سينهار خلال أيام ويهرب تاركاً برجه العاجي، وأن أداة بطش الطغاة الأولى (المخابرات والجيش) ستقف معهم، لتتحرك من بعد ذلك شعوباً عربية مقموعة في ليبيا ومصر واليمن وسوريا مطالبة بالحرية.

بعد نحو ستة أعوام أعيد إنتاج النظام في تونس، كما شاء الغرب بفعل أُجراء الثورات المضادة بعكس رغبة الشارع العربي المنتفض الراغب في بناء مجتمع حر يخضع لعدالة اجتماعية وفكرية ودينية وثقافية واقتصادية وسياسية ، وهرب بن علي، وغرقت ليبيا في حروب أهلية بتمويل دولي ، وقتل القذافي عمداً لنسف حلقة من التآمر والظلم والارتباط بالغرب برغم كل الشعارات الرنانة التي كان يعلنها، وتحولت مصر كلياً عن الطريق الثوري، إذ تنحى مبارك كبير طغاة العرب وأودع السجن إلى أن أفرج عنه براءة في حقبة الانقلاب العسكري، بينما انتخب محمد مرسي رئيساً بطريقة ديمقراطية شرعية أذهلت العالم ، ثم انقلب عليه السيسي وأودعه السجن وحكم عليه بالإعدام وإن لم ينفذ الحكم بعد، وعادت قوانين الإرهاب والتغول الأمني أكثر سوءاً من ذي قبل.

وفي اليمن خُلع صالح بعد ثورة سلمية راقية وانتخب عبد ربه منصور هادي رئيساً ليظهر من بعد ذلك وكما هو مخطط عملاء الاستعمار الحديث والنظام القديم وإيران بزي الحوثيين للسيطرة على اليمن عسكرياً لتغرق في الدماء بين راغب في حماية حدوده ، وبين خائف من مد فارسي تجاهه، وبين دول تبحث عن مصالح اقتصادية لها.

بالعودة إلى محور حديثنا ، نجد أن الثورة السورية تسير بذات السياق السابق دون أي محاولة للتغيير والتصويب من كوادرها أو قادتها أو منظريها أو حتى مفكريها، وليست الغاية ذكر ما جرى ، بل تصوير الضعف الذي لم يتم تداركه حتى اللحظة والذي نسف مسارها وحولها إلى صراع على مناطق نفوذ محلية ودولية.

نعلم جيداً أهمية موقع سوريا الاستراتيجي الذي كان سبب لاحتلالها مرات عدة، وما تملكه من مقومات على النهوض ومقارعة الدول الاقتصادية المتقدمة فيما لو امتلكت حكومات رشيدة، تبدأ بثرواتها النفطية والمائية والبحرية والشمسية والريحية، ولا تنتهي عند كونها دولة زراعية لديها اكتفاء ذاتي وتملك إمكانيات المنافسة والتصدير خارجياً لأنواع كثيرة منها (القمح والزيتون) على سبيل المثال، كما لا يمكن ان ننسى الفوسفات والثروة الحيوانية الغنية واليد العاملة المنتجة، فضلاً عن اكتشاف حقول للغاز غير المستثمر تعتبر من أكبر احتياطيات العالم، يضاف إلى كل ذلك شعب متقد يحب العلم ويصبو للمستقبل ووضع بصمته في كل ميادين الحياة.

في الجانب السياسي نرى اليوم كل ما سبق ، ونعلم فوق ذلك حجم الدمار والتشرد والدماء التي لحقت بالسوريين عموماً، ولا نفهم لماذا لم يستطع السياسيون المعارضون إقناع العالم (حكومات ورأي عام) بثورتهم، أما أنهم أنفسهم غير مقتنعين بها أو أنهم غير أهل لإقناع الآخرين بها ؟ وفي كلتا الحالتين مصيبة، إذ أن الثورات تنتج من ينقل صورتها من رحمها ولا تفرض عليها قادتها، كما أن الثورات لا تقبل بالتحزب إلا للثورة والشعب وليس للداعم أو الحزب أو التيار الديني أو الفكري الذي ينتمي له الفرد، يضاف إلى ذلك وجود أهداف ومبادئ رئيسية يتبناها الشعب لا يسمح أن تكون مجال للمزاودة والمساومة هذا كله يتطلب تغيراً جوهرياً في بنية مؤسسات الثورة ومكاتبها وممثليها والقائمين عليها لننتصر وذريعة سحب الاعتراف الدولي لبعض المؤسسات ، أو عدم وجود البديل ، أو توقف الدعم من الداعم ، كلها أعذار واهية لا قيمة حقيقة لها على الواقع ما دام القتل مستمراً ، وما داموا غير قادرين على التأثير.

من جانب آخر لا تقبل الثورات أنصاف الحلول ، أما تفشل أو تنتصر ، وهذا أمر بالغ الأهمية، إذ قد يكون الانتصار جزئياً، مبدئياً مقبول في سوريا اليوم بالنسبة لتيار كبير، كأن يرحل رأس النظام أو يتم تشكيل حكومة انتقالية مشتركة بين المعارضة والنظام مع إبقائه شكلياً لمرحلة انتقالية، أو إجراء انقلاب عسكري ضمن بنيته الأمنية بتوجيه روسي، ثم إعلان سقوط النظام والوصول إلى حل، كل ذلك جزئياً قد يكون مقبولاً لكنه قطعاً لن يكون مقنعاً مستقبلاً ، فهو سيخضع لذات المعادلة السابقة (إما الانتصار أو الفشل) , وغالباً ما يكون الفشل نتيجتها ، لأن الأنظمة الحاكمة المتسلطة تستطيع وقتها في هضم بعض الشخصيات المرتبطة بالثورة في بنيتها لإفراغ الثورة من رموزها للقيام بنسفها لاحقا ثم تعود لملاحقة المجموعات التي كانت بالأمس ثائرة لإسقاطها للقضاء على أي فكر تحرري في المجتمع. ومن هنا يمكن لنا قراءة أسباب تعمد بعض الشخصيات المرتبطة بحقبة النظام المجرم من بعثيين وتجار منتفعين وعسكريين وأبناء الطبقة المخملية تشتيت الثورة سياسياً بأحزاب وتيارات وتصنيفات مختلفة وضخ أموال الشعب المسروقة هنا وهناك لشراء الولاءات.

  وفي ذات السياق فشلت كل الكتل السياسية بالتأثير في الرأي العام الدولي (الشارع الغربي) القادر على قلب معادلات حكوماته، وفشلت في قراءة الحدث قبل وقوعه ، أو وضع تصور لمواجهته، بينما نجحت أبواق النظام في تركيز التأثير وحرفه عن مطالب الشعب المحقة إلى (الإرهاب، داعش، أسلمة الثورة) لتذهب ملايين الدولارات التي صرفت من كل أحزاب الثورة دون استثناء على الإعلام والعلاقات العامة في مهب الريح، لتدخل الثورة في مخاض عسير سياسياً.

أما عسكرياً فالأمر أكثر تعقيداً، لا داعمين حياديين، ولا داعمين بشكل مطلق، وتوجهات دينية مختلفة، وتوجهات فكرية متنافرة، واغتيالات أودت بغالبية القادة الوطنيين، وكتائب ضعيفة متفرقة، وجبهات ومسميات مختلفة شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ، ولا يوجد عمل مشترك ، إضافة إلى وجود داعش التي تتمدد هنا وهناك ، وحلف عربي غربي أمريكي لضرب داعش، وحلف روسي إيراني صيني كوري عربي تحت مسمى محاربة الإرهاب يضرب الفصائل المقاتلة التي تعارض النظام.

كي ننتصر نحتاج إلى 3 خطوات و 3 معارك رئيسية ..

تشمل الخطوات : أولاً: انتاج الثورة لقادتها السياسيين لقيادة العمل السياسي من خارج أحزاب المصالح والمنتفعين وبقايا طغمة الفساد ، ثم الإعلان عن بدء العمل السياسي الحقيقي من الداخل مع وجود مكتب ارتباط خارجي .

ثانياً : دفع القادرين على التأثير في الرأي العام للعمل في مؤسسات المعارضة وعدم اخضاعهم لمبدأ المحاصصة والمحسوبيات في هياكلها. ثالثاً: دفع القادة العسكريين الوطنيين للواجهة والوقوف معهم لتوحيد العمل العسكري في غرف عمليات مشتركة بالاعتماد على ما بين أيدهم من سلاح وأفراد وعدم الاتكال على الداعم واليقين بهدفهم إما النصر أو الشهادة.

 أما المعارك التي تكون أهميتها من جغرافية مدنها، فأولها معركة تحرير حمص ، وتوحيد العمل العسكري لذلك على رغم صعوبته نتيجة وجود قوات إيرانية وعناصر مليشيا حزب الله ولواء الرضا الشيعي وقوات النظام والقصف الروسي الجوي المستمر، لكنه ليس مستحيلاً، ويكفي أن نعلم أن خروج حمص من قبضة النظام تنسف أحلامه وآمال الروس معه ، وتغير كل حساباته على الأرض، وتقطع خطوط الإمداد لكل قواته من الجنوب ومن لبنان ومن الشمال ، كما أن عودتها للحضن الثوري تعيد ضخ دماء الحرية من جديد في كل السوريين لما تشكله من رمز للثورة ، أما بقاء الحال على ما هو عليه فيعني بقاء قصف الطيران الروسي لريف حمص الشمالي ، ومقرات الفصائل الثورية ، وسقوط المزيد من الشهداء بين مدنيين وعسكريين ، وتدمير أكبر في تلك القرى والبلدات ، وقضم تدريجي للمناطق المحررة لصالح قوات ومرتزقة النظام المجرم.

من جهة ثانية تعتبر معركة الساحل من أهم المعارك التي يجب التفكير بها جدياً ، والتي طالما توقفت نتيجة عدم رغبة الداعمين بخوضها أو وجود تهديد دولي لرفع الغطاء عن الفصائل المعارضة التي تخوضها ، رغبة منها في حماية الأقليات دون ان يهتموا يوماً لسقوط الأكثرية بين قتيل وجريح ، وتدمير كل مقومات الحياة في مناطقهم، إذ أن فتح هذه المعركة وبشكل كبير إذا ما تم الوصول إلى القصف الكثيف لمناطق وجود القوات الروسية سيجعل الروس يعيدون التفكير في استراتيجيتهم في دعم النظام ، خاصة وانهم يعانون من أزمة اقتصادية خانقة ولا يرغبون في فتح حرب استنزاف شبيهة بأفغانستان ،وتقطع خطوط الإمداد عن قوات النظام ومرتزقته في حلب .

اما المعركة الثالثة فهي دمشق التي تأخرت لأعوام لأسباب غير مقبولة ، إذ أصبح تنفيذها اليوم شبه مستحيلاً ،وكانت أغلب المبررات أن رد النظام سيكون جنونيا على الريف المتحرر المحيط بها ، فماذا نسمي ما جرى في الغوطة الشرقية والغربية من مجازر يندى لها الجبين؟  البعض برر عدم فتحها بأن دمشق تحتضن ملايين الأفراد ويجب أن تبقى آمنة ، ولأنها تمثل رمزية دينية وتاريخية، بالله عليكم كيف نقرأ هذه المعادلة، تهد كل المدن والقرى والبلدات الأخرى السنية ويهجر أهلها ويقتل أبناؤها وتدك أبنيتها ويبقى الطغاة بثقلهم العسكري والأمني مرتاحين في دمشق سوى من بعض القذائف للدعابة والتذكير في أن هناك حرب في الجوار ، هل الكأس المؤلمة على مجموعة بعينها فقط ؟ هل الأحجار التاريخية أهم من لجم  القاتل ؟ ألا يعلم الجميع أن قطع رأس الأفعى يسهل قطع بقية الجسد؟!

ضمن تلك المعارك يجب التركيز على خطوط الدفاع الأخرى ومنع اختراقها من قبل تنظيم داعش الذي سيحاول استغلال الموقف لصالح تمدده.

الغاية من ثورة الشعوب هي إعادة الحقوق المسلوبة وتحقيق العدالة والمساواة واستعادة الكرامة الإنسانية وإسقاط الباطل المتمثل في فئة عميلة تسلط على مقدراتها على مدى عقود،عقدت خلالها اتفاقاتها وأحلافها بناء على مصلحتها الشخصية، وأقامت أجهزة أمنها وجيشها لحماية نفسها وسرقاتها وقمع شعوبها.

الصحافي: مصعب السعود

اترك تعليقاً

scroll to top