{ في ذكرى مجزرة حماة : المردود العكسي لسياسات النظام الداخلية }

بقلم النقيب رشيد حوراني 

إن ما تعيشه سوريا اليوم من قتل و تدمير هو نتاج لتاريخ من القمع و التنكيل و التهميش و الاستفراد و الاستقصاء و التحكم بمقدرات الشعب بشكل مستبد و إرهابي مارسه النظام منذ أكثر من 40 عاماً عندما قام حافظ الأسد، وزير الدفاع آنذاك، بانقلابه في عام 1970 وتولى مقاليد الحكم، حيث بدأ الفساد ينخر في جسد الدولة لاستغلال الرئيس منصبه ليقرب طائفته من سدة الحكم بعد السيطرة على الجيش والأمن وفرض الدولة الأمنية القمعية  ،مما أدى ذلك إلى تزايد السخط في البلاد، بين  كافة فئات المجتمع  وشرائحه الاجتماعية والدينية  وبعض الجماعات السياسية المتضررة من الحكم  الطائفي البغيض ، ناهيك عن استغلال النعرات الاجتماعية والطائفية بين مكونات المجتمع السوري ، شكل كل هذا الإحباط التربة الخصبة للرفض الشعبي للحكم الجديد ، وبقيت هذه الأوضاع تتنامى إلى أن انفجرت عام 1982 م في مدينة حماة بعد أن ارتكب نظام الأب حافظ مجازر متعددة في كل من حلب ودير الزور وإدلب لتكون مجزرة حماة أشدها وأكثرها هولا .

ابتدع يومها النظام طريقة فريدة للإرهاب و الاعتداء على المواطنين و حرمة مساكنهم، واختطاف نسائهم وأعراضهم، والسطو على أموالهم وممتلكاتهم، وقتل الأزواج وتشريد العائلات، و التمثيل بهم، أمام الزوجات والأولاد، كما فعل بداية الثورة في مجزرة الحصوية ومجزرة الحولة .

أقدم النظام على هذه الجرائم تحت اسم “تمشيط المدن والقرى” إذ تقوم الحوامات والدبابات والقوى المحمولة بتطويق المدن والقرى التي يراد تمشيطها ويؤمر الناس بمنع التجول والمكوث في بيوتهم وتقسم المدينة إلى قطاعات تتولى كل قطاع مجموعة كبيرة من الجنود والوحدات الخاصة وسرايا الدفاع وعناصر المخابرات والكتائب الطائفية، ويستبيحون كل شيء في أثناء “التمشيط”، يسرقون وينهبون ويدمرون ويعتدون على الناس والحرمات والمقدسات، ويقتلون كل من يرفع صوته محتجاً على هذه الانتهاكات، وكثيراً ما أبادوا أسراً كاملة، وقطّعوا أيدي النساء وأصابعهن من أجل الأساور و الحلي الذهبية.. يسحلون من يُقتلون بالسيارات والدبابات أمام الناس لنشر الذعر والرعب والإرهاب في قلوب المواطنين حيث تعرضت مدن و قرى القطر للتمشيط، فمشطت حلب مرتين، ومشطت حماة تسع مرات.

دامت المجزرة 27 يوماً بدءاً من 2 شباط  1982 م، نفذ نظام الأسد الأب خلالها ما يمكن تسميته بالوأد الجماعي، فحوصرت المدينة بعدد من الوحدات العسكرية { اللواء (47) دبابات ، واللواء (21) دبابات ، والفوج (41) إنزال جوي ، واللواء (138) من سرايا الدفاع ، واللواء (142) دبابات من سرايا الدفاع ، والفرقة الانتحارية (22) من سرايا الدفاع ، والفوج (114) مدفعية ميدان وراجمات صواريخ ، وعشرات الطائرات المروحية }

قصفت المدينة  بالمدفعية الثقيلة قصفاً عشوائياً، تمهيداً لاقتحامها بالدبابات والآليات، لتخوض فيه عناصر سرايا الدفاع والوحدات الخاصة حرب الشوارع  ضد المواطنين العزل

رافق كل ذلك تعتيم إعلامي شديد في الداخل والخارج، ليدفع قوى المعارضة إلى ما يشبه اليأس ، أخفى حقيقة حقده الطائفي عن أبناء الشعب في بقية المحافظات وعن الرأي العام العربي والعالمي، إلى جانب اعتماد السلطة العسكرية على البطش المفرط و العشوائي، ليكون الأداة الفعالة في تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية والنفسية ضد المواطنين في آن واحد.

تلا ذلك زج الكثير من المواطنين من أبناء المدن في السجون بصفة السجناء السياسيين الذين أودعوا في السجون العسكرية عشرات السنين, وأنزل عقوبة الإعدام بكل مواطن ينتمي أو يشك بانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين التي تصدرت المشهد يومها على الرغم من وجود الحاضنة الشعبية من غير الإخوان ، عدا عن المفقودين الذين لا يعرف أهلهم هل هم أحياء أم أموات، وبدلاً من أن يتخذ نظام الأسد الأب الإجراءات الكفيلة بالحد من آثار المجزرة وتداعياتها على سكان المدينة المنكوبة والمجتمع السوري بشكل عام، والتحقيق في أعمال التنكيل التي وقعت ضد الأهالي، فقد عمد إلى مكافأة العسكريين الضالعين في ارتكاب الجرائم ومن بين هؤلاء القاتل المجرم أخيه الذي عُين نائباً لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي، و تعيين محافظ حماة آنذاك محمد حربة في منصب وزير الداخلية.

كانت تلك الإجراءات بمثابة استهتار مروع من قبل الحكومة بالمشاعر العامة، وتأكيد واضح على استمرار منهجية القوة بدلاً من الحوار في التعاطي مع الشؤون الداخلية.

سار نظام الوريث بشار على خطى أبيه باعتماده القتل أسلوبا وحيدا لإبعاد معارضيه ، ونحن على أعتاب الذكرى السادسة للثورة السورية المباركة.

عقم النظام عن  انتاج أساليب جديدة للقضاء على معارضيه فيما أنتجت حمامات الدم من أبناء سورية الذين قضوا على أيدي هذا النظام .

فهو رغم استباحته لكافة المدن السورية كما استباح مدينة النواعير من قبل إلا أنه أخفق في تحقيق أهدافه ، بل أعطت تصرفاته الإجرامية مردودا عكسيا يذكرنا برثاء أمير الشعراء أحمد شوقي لشيخ الشهداء عمر المختار فبقتله زرع قاتلوه بذور الثورة والتمرد ضدهم:

رَكَزوا رُفاتَكَ في الرِمالِ لِواءَ     يَستَنهِضُ الوادي صَباحَ مَساءَ

يا وَيحَهُم نَصَبوا مَناراً مِن دَمٍ     توحي إِلى جيلِ الغَدِ البَغضاءَ

جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ     تَتَلَمَّسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ

اترك تعليقاً

scroll to top