طريق الجولان يمر من.. دوما

لعلّنا لا نبالغ إذ نقول أن قصة الألم السوري المستمر منذ نحو خمسة أعوام اشترك فيها العالم على درجات، دعماً لإجرام هذا القاتل المأجور القابع خلف جدر محصنات في جحور الأرض، بغية إعادة سوريا مائة عام إلى الوراء وجعلها صومالاً آخراً ،فبعضهم اكتفى بالتفرج والتنديد، وأخرون صفقوا للقاتل ودعموه بكل آلات القتل ،وبقية ادعت أنها مع الشعب السوري ووقفت في وجه وصول أي دعم يدافع به عن نفسه.

دوما تلك المدينة المتاخمة لدمشق ،وعروس غوطتها وخزّانها الزراعي والبشري، وبيئتها الاجتماعية الرائعة الثائرة على الطغاة قبل أن نعلن ثورتنا ،دوما الرافضة منذ عهد الأسد الأب للمحسوبيات والفساد والاستغلال أم شهداء الأمس واليوم وحدها كفيلة بأن تسقط كل أكذوبات العالم الحر المنادي بالإنسانية والعدالة وحقوق الإنسان فما بالكم بسوريا ؟. كُتب عليها أن تكون شاهدة على العصر وتدون للتاريخ أفظع مجازر القتلة وأن تدحض رواية (أصدقاء الشعب السوري) إذ لم يكد يتهيأ السوريون لإحياء الذكرى الثانية لمجزرة النظام الكيماوية في الغوطة الشرقية التي أودت بأكثر من 1500 شخص غالبيتهم من الأطفال والنساء والشيوخ 21\8\2013 حتى استبق القاتل تحضيراتهم بمجزرة أبشع ،وقامت مرتزقته بقصف سوق دوما الشعبي بصواريخه الموجهة لـ (إسرائيل) مودية بحياة أكثر من 120 شخصاً وإصابة أكثر من 300 شخص، فطريق الجولان يمر من دوما وذلك قبل أن يصدر بيان مجلس الأمن الخاص بدعم الحل السياسي وفق خطة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا بسويعات الأثنين الفائت. نظام توحّش بكل ما للكلمة من معنى ومليشيات شيعية متطرفة تقاد كالأغنام بحجة مذبحة مضى عليها أكثر من 1400 عام ،وعالم متواطئ مع القاتل ،وثوار ارتهنوا للداعمين وغرف المخابرات الدولية ،وسوريون بسطاء لاحول لهم ولا قوة يدفعون فاتورة الصراع ترتكب بحقهم مجازر يومية حتى بتنا نستسيغ رؤية مشاهدها ومقامرون مازالوا يتغنون بالحل السياسي فمن لولي الدم ؟!.

أمس السبت 22\8\2015 وفي أقل من أسبوع وتأكيداً من الأسد على قبول بيان مجلس الأمن كانت مدينة دوما لم تنه بعد  حدادها على موعدها الثاني من تجرّع الألم والمأساة والعهر الدولي ،إذ ارتكبت مرتزقة المقاوم والممانع الأسدي مجزرة جديدة، ودمّرت مبان على رؤوس قاطنيها ما أدى إلى عشرات القتلى والمصابين ليستمر صيوان عزاء السوريين منصوباً في كل مكان ،فطريق تحرير القدس والجولان يمر من هنا.

لم يتحرك العالم المنافق والكاذب خلال تلك السنوات وأمام شلالات الدم السوري النازف على مقصلة الحرية ،ولن يتحرك ،فلا سلاح نوعي مسموح للسوريين منذ انطلقت الثورة ،ولا تغيير البنية القائمة للنظام المجرم مسموح ،ولا لجم المرتزقة الوافدة للنظام من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وغيرهم مسموح ،ولا إيقاف الجسر الجوي العسكري الروسي الداعم بالسلاح والخبراء مسموح ،ولا تدخل إقليمي عربي لنصرة الشعب السوري مسموح ،ولا تغيير قواعد الإشتباك على الأرض من بعض الفصائل الثورية مسموح ،ولا حتى إصدار قرارت ملزمة تحت الفصل السابع من مجلس الأمن لوقف القتل الممنهج والتهجير القسري للسوريين وخاصة (السنة) مسموح ،فأين هم (أصدقاء الشعب السوري)..؟ لكن يبقى هناك ضوء أخضر وحيد بادٍ في الصراع السوري ومسموح به دوماً منحته الولايات المتحدة للنظام السوري وحلفائه ومرتزقته منذ انطلاقة الثورة السورية في آذار 2011 وصدقت عليه يوم سلّم غالبية ترسانته الكيماوية عندما تجاوز كل خطوط أوباما الصفراء والحمراء و …الخ بعد مجزرة الغوطة الشرقية الكيماوية 2013 ألا وهو تدمير سوريا وقتل (السنة) فيها ،وتشويه فكرهم ومشروعهم لدولة المستقبل وتفتيت بنية المجتمع وللأسف ساعد في تنفيذ هذا الهدف الكثير من المارقين على الثورة والملتحفين بها لذلك كان الدمار والقتل والتشريد والاعتقال من نصيب أهل (السنة) الشريحة الأكبر (برغم اجتماع كل مكونات وطوائف سوريا معاً) مع استثناء لبعض الأقليات نتيجة وجودهم في مناطق السنة أو محاولتهم التخلص من الاستبداد والتحاقهم بالثورة منذ اللحظة الأولى وتبنيهم لدولة المواطنة.

مجازر اليوم ليس هدفها القتل فقط بل نسف الحاضنة الشعبية للثورة التي تعاني من الحصار والفقر والظلم والاعتقال والاضطهاد منذ سنوات .. مجازر اليوم هدفها دفع السوريون للكفر بكل المبادئ والقيم والأحلام والآمال التي حملوها في ثورة الحرية والكرامة .. مجازر اليوم هدفها الرضوخ للقتلة وفكرهم واستعبادهم واحتلال أسيادهم الإيرانيين لبلادنا.

لتعلم أيها القاتل البائس أن الألم يصنع المستقبل ،وأن الحرية خيارنا ،وأن مجازر اليوم لن تقسم ظهرنا بل ستقويه ،وستحولنا إلى بركان ينفجر في وجهك ووجه من يشد أزرك ،وإن غداً لناظره قريب.

 الصحافي : مصعب السعود

اترك تعليقاً

scroll to top