سقوط الطائرات والسياسة الروسية

بقلم النقيب رشيد حوراني

دخلت الدبلوماسية الإيرانية على الخط لتحاول وبصفاقة ليس لها نظير، رسم سيناريوهات المستقبل السوري ،كما فعل ويفعل في كل فرصة تسنح له معاون وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبد اللهيان .
وجاءت الدبلوماسية الروسية بمنهجها العدواني المترافق مع الهمجية العسكرية العدوانية الروسية لتكمل الطوق، فوزير الخارجية الروسي لافروف لم يتردد أبداً عن رفض أي حلول تتضمن شرط رحيل بشار الأسد عن السلطة.
حيث يعيش الدب الروسي اليوم حالة من النشوة على الرغم من مرور شهرين على بدء العمليات الجوية الروسية في سوريا، و لا تبدو النتيجة منسجمة مع الأهداف المعلنة، ولا مع الزفة الضخمة التي رافقت الإعلان عن انطلاقها، والتي شارك فيها شبيحة إيران وبشار في كل مكان ، فهو ما فتئ يظهر عضلاته ويكشر عن أنيابه، ويبرز مخالبه، في محاولة يائسة لإرهاب الشعوب فضلا عن ممارسة الابتزاز في أقصى حالاته، فالرئيس الروسي (بوتين) وهو يستمر في جرائمه الموجهة ضد البشرية في أرض الشام، وفي التحول الفظ من الدعم السياسي للدعم العسكري المباشر في حرب النظام الإرهابي السوري ضد شعبه، قد غادر تماما حدود الحصافة والمسؤولية واحترام خيارات الشعوب، ودخل فعلا في مرحلة الحماقة واللجوء للقوة المفرطة ضد شعوب مقهورة، لا تمتلك سوى شرف الدفاع عن مبادئها ومقدساتها وحقها في العيش الكريم بعيدا عن الظلم والإقصاء.
فطهران وموسكو تقيمان علاقات متقلبة منذ الثورة الإيرانية في 1979، وكانت روسيا في إطار اتحاد الجمهوريات السوفياتية الشيوعية -إحدى أولى الدول التي اعترفت بإيران ، لكن موسكو قدمت بعد ذلك دعمها للعراق في ظل نظام صدام حسين في حربه ضد إيران بين 1980 و1988،وعلى الرغم أن المحادثات الروسية – الإيرانية طغى عليها الشق الإقتصادي لأهميته لكل من موسكو وطهران، بعد أن وافقت موسكو على منح حكومة طهران قرضا تقدر قيمته بنحو 7 مليارات دولار، لتنفيذ مشروعات إعادة تشييد البنية التحتية لقطاع الطاقة والكهرباء الإيرانية بمشاركة الشركات الروسية ،ولأن مساعي إيران لزيادة صادراتها النفطية ستؤثر سلباً على عائدات روسيا من تصدير النفط ، فبحسب البيانات الحكومية ستزيد طهران من إنتاج النفط خلال الشهور الستة القادمة ليصل إلى مليون برميل يومياً، وستعمل على تسويق منتجاتها في أسواق وسط آسيا، التي تعتبر الأسواق التقليدية لروسيا ، كما تناولت محادثات بوتين – روحاني التعاون في المجال العسكري لأن الجانبين قد اتفقا على أن تسحب إيران الشكوى المقدمة في محكمة التحكيم الدولية بجنيف، والتي تطالب فيها بتعويض من روسيا قيمته أربعة مليارات دولار بسبب عدم تنفيذها عقد توريد “أس-300” الموقع عام 2007، وأوقفت موسكو تنفيذه استناداً لقرار مجلس الأمن عام 2010 بحظر توريد الأسلحة إلى إيران.
إضافة إلى ذلك اعتبر في وقت سابق قائد القوات البحرية السابقً في «الحرس الثوري» حسين علائي أن إطلاق الروس صواريخ «كروز» من بحر قزوين نحو الأراضي السورية «خطأ استراتيجي» يجب ألّا يحصل بسبب تأثيره علی المصالح الإيرانية، علماً أن هذه الصواريخ لا بد أن تعبُر الأجواء الإيرانية قبل وصولها إلى سورية. كما أن تقارير أشارت سابقاً إلى أن بعضها سقط في إيران بعد إطلاقه من بوارج في بحر قزوين، ونفی مصدر مطلع في القوات المسلحة الإيرانية إطلاق الجيش الروسي خلال الأيام الأخيرة أي صاروخ «كروز» من «المياه الإقليمية الإيرانية» في بحر قزوين في اتجاه أهدافٍ في سورية عبر الأراضي الإيرانية، وكانت وزارة الدفاع الروسية أعلنت إطلاق عدد من هذه الصواريخ من بحر قزوين على أهداف في سورية.

taaraa

في ظل هذا الجو المشحون بين الطرفين وصفت أوساط إيرانية بوجود العديد من «المعطيات الإيجابية» للتدخّل الروسي في سورية وهناك من رأی أن الجانب الروسي لا يمكن الاعتماد عليه، على المدى الطويل، في ضوء ما تحتفظ به الذاكرة الإيرانية تاريخياً من سلبيات في شأن العلاقات بين موسكو وطهران.
وبحسب مصادر إيرانية أن بوتين سمع من خامنئي «كلاماً واضحاً» في شأن الأوضاع في سورية وضراوة المعارك ،والتصور الإيراني لطريقة حل أزمة هذا البلد، إضافة إلی موقف طهران من الأزمة اليمنية، وتعرب المصادر ذاتها عن أمل الإيرانيين بأن تكون زيارة بوتين قد بددت قلقهم في شأن الخطط الروسية حول مستقبل سورية.
خلاصة القول هي أن أفق الإنجاز الروسي في سوريا يبدو مسدودا، وهذا ما تعكسه تصريحات بوتين ومحللي بلاده السياسيين التي تشي بفشل مهامهم في سورية وتغطية إعلامية عليها ولا مجال لغير نزيف طويل، لهم وللإيرانيين، والحالة الإقتصادية المتأزمة لكلا البلدين مقابل طرف أقدر على احتمال النزيف منهما ، لم يعد يخفى ميل بوتين لتسوية تحفظ ماء الوجه له ولقوات بلاده ، مقابل تشدد إيراني قد يتراجع بمرور الوقت، ولا يُستبعد أن يكون تم التفاهم عليه في لقاء بوتين – خامنئي في طهران إن نجحا في تذويب خلافاتهما المزمنة ،إلا أن هذه الخلافات على ما يبدو لاتزال قائمة بدليل أن كل من الكرملين وبوتين أدليا بتصريحات ضبابية للاستهلاك الإعلامي ليس إلا.. ليتلقى نبأ إسقاط طائرتين لقوات بلاده الجوية ويبدأ بتحليل كيفية سقوطهما ووعيد وتهديد لا يغني ولايسمن من جوع وهو بذلك يكون قد اختار نفس المصير الذي لاقاه الاتحاد السوفياتي سابقا .

والله غالب على أمره

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top