( روسيا وتوزيع الرسائل)

النقيب رشيد حوراني

 

منذ اندلاع الانتفاضة السورية في آذار 2011، لم تنجح كل الجهود في وقف استمرار حمام الدم بسبب الموقف الروسي الداعم لنظام الأسد، واستعمال حقّ النقض (الفيتو) تكرارًا من أجل تعطيل عدة قرارات دولية تقضي بإدانة استعمال النظام للقوة العسكرية المفرطة لسحق الانتفاضة، وتعرضت موسكو بسببه لانتقادات لاذعة من الدول الغربية والعربية، واستمرت على هذا الحال إلى أن أعلنت تدخلها العسكري المباشر في 29 أيلول 2015م، مغلفة تدخلها بأنه جاء بناءً على طلب رسمي من النظام -الذي فقد شرعيته الشعبية- والمحافظة على مؤسسات الدولة السورية، ومنذ ذلك التاريخ رافق التدخل العسكري الروسي الكثير من المواقف غير الإنسانية منها على سبيل المثال ما أعلنه يوري بوريسوف نائب وزير الدفاع الروسي أن الدول الأجنبية “اصطفت في طابور لشراء الطائرات الروسية، التي أظهرت قدراتها في سوريا، مثل قاذفة “سو- 34″، لكن اللافت للنظر أن وزارة الدفاع الروسية لم تكشف عن أي عقود مؤكدة حتى الآن، أو ما صرح به بوتين في مؤتمره الصحفي السنوي في 17 كانون الأول 2015م إلى أن العمليات في سوريا تعد تدريبات عسكرية ذات كلفة رخيصة في ظروف حرب حقيقية، متجاهلًا الأطفال والنساء والدمار الذي لحق بالبنى التحتية للمدنيين العزل.
مرت مائة يوم من الغارات الجوية الكثيفة والهجمات الصاروخية و لم يحرز النظام والقوى المتحالفة معه تقدمًا يعتد به على الأرض، على نحو استراتيجي، بل على العكس تراجع النظام وحلفاؤه في مواقع كثيرة لمصلحة فصائل الثورة المسلحة، إلا أن ذلك لم يُثنها أن تستخدم براعتها الدعائية والبروباغندا الإعلامية في الاستمرار بتكتيكات تخدم أهدافها بدأتها قبل تدخلها العسكري باستعراض قوتها العسكرية بشكل كبير من خلال الأحاديث عن الأسلحة المتطورة وقدرتها القتالية؛ أو عدم الاعتراف بالجيش الحر بهدف ضرب معنوياته، والتأثير على روحه القتالية، وعندما وجدت نفسها أمام حائط لا يمكن اختراقه عملت على استخدام دبلوماسيتها الممزوجة بأبعادها النفسية؛ ويمكن القول أنها بدأت بها من خلال محادثات لافروف – كيري وما تخللها من تصريحات تارة بالقبول وتارة بالنفي حول التوصل إلى اتفاق بهدف زرع القلق والاضطراب في صفوف من يهمه الأمر عله يقدم تنازلًا ما، واستمرت في هذه الاستراتيجية نظرًا لإحجامها عن تدخل بري واسع، لعدم رغبتها في تورط أكبر في صراع لا تعرف نهايته، وربما الغرق في مستنقع تخشى من الانزلاق فيه، حتى لا تكرر السيناريو الأفغاني، أو ترتفع الكلفة الاقتصادية والبشرية للتدخل، إلى أن وصلت إلى مرحلة توجه فيها الرسائل للحلفاء (النظام وحلفائه من الميليشيات الإيرانية) ولمن اعتبرتهم في دعايتها عند بدء التدخل أنها تحارب الإرهاب (فصائل الثورة السورية) وهنا يمكن الوقوف عند محطات ثلاث لهذه الرسائل:
الأولى الفيديو الذي نشره الصحفي الروسي لإحدى المجموعات التابعة لقوات النظام وهي تقاتل على إحدى جبهات الغوطة الشرقية ومقتل غالبية أفرادها والخوف والهلع الذي بدا واضحًا في وجوه من بقي حيًّا منهم أو الأصوات التي علت مطالبة من هم في الخط الأمامي بالانسحاب كي لا يكونوا في مرمى فصائل الثوار، علمًا أن هذا الفيديو ما كان ليخرج لولا موافقة المخابرات الروسية على نشره ليقول لكل من جيش النظام السوري و”حزب اللات” و”الحرس الثوري” الإيراني ومليشيات شيعية عراقية وأفغانية، أنكم جميعًا أُنهكتم بفعل سنوات الحرب الطويلة والشاقة وأن الحامل لكم واعتمادكم على القوات الروسية سواء بتكتيكاتها العسكرية أو تغطيتها الجوية.
تتمثل المحطة الثانية في الاتفاق الذي توصلت إليه كل من روسيا و أمريكا في جنوب غرب سوريا وهو خلاف ما تريده إيران والنظام ليعيد الكرملين الروسي توجيه الرسالة إلى الجانب الإيراني الذي يختلف معه في الاستراتيجية والمشروع أننا ماضون في تقليص دوركم السياسي إلى جانب العسكري.
وفي الجولة السابعة من مفاوضات جنيف قال أليكسي بورودافكين مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف أنها تمخضت عن نتائج إيجابية ولا سيما في «تصحيح» نهج وفد «الهيئة العليا للمفاوضات»، وهي تكتل المعارضة الرئيسي وأن جوهر هذا التصحيح هو أنه خلال هذه الجولة لم تطالب المعارضة قط باستقالة الرئيس بشار الأسد والحكومة السورية الشرعية فورًا، هادفًا من وراء ذلك زعزعة الثقة والتشكيك بأبرز مكونات الثورة السياسية ودق إسفين بينه وبين الشعب السوري الذي ما يزال يقدم دماءه رخيصة في سبيل تحرير وطنه من هذا السفاح المجرم وعصابته.
هذا غيض من فيض الرسائل الروسية إلى الأطراف على الساحة السورية لكن الواقع يقول إن روسيا بكل ما تفعله من استمرار عملياتها العسكرية دون سقوف زمنية وغوصها في مستنقع لا تعرف مآلاته يضعها في مواجهة استحقاقات طالما هربت منها إلى الأمام مثل أزمة أوكرانيا والأزمة الاقتصادية بفعل تراجع أسعار الطاقة، وغياب الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الهيكلية، وقد يقودها إلى المجهول.

اترك تعليقاً

scroll to top