روسيا ما بين الإجرام ومبادئ حقوق الإنسان…العدالة الدولية إلى أين؟؟؟

المكتب القانوني – المحامي فهد نادر القاضي

بالنظر إلى جرائم روسيا في سورية والتي ترتقي إلى جرائم حرب ضد الإنسانية، تضافرت جهود 33 منظمة من منظمات المجتمع المدني برسالة مشتركة تم توجيهها إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تناشدها بعدم التصويت لصالح حصول روسيا على مقعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وذلك بسبب سجل روسيا المليء بالجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في كل من سورية وأوكرانيا وجورجيا وكان ذلك في 5 أكتوبر عام 2020.

الرسالة آنفة الذكر جاء في مضمونها بأن انتخاب روسيا وإعطائها صفة العضوية في مجلس حقوق الإنسان إنما سيكون سابقة سيئة بحق هذا المجلس، وبالتالي فإن ذلك يعد بمثابة مكافآة لها على جرائمها الكثيرة المرتكبة والتي لازالت مستمرة في كثير من الدول ولا سيما سورية، كما أن هذه السابقة ستعزز من دور روسيا الإجرامي وتساعدها على الإفلات من العقاب على تلك الانتهاكات، والجرائم، وقد أشارت تلك الرسالة إلى أنه ومنذ التدخل الروسي في سوريا عام 2015، فإن القوات العسكرية الروسية والسورية نفذت هجمات عشوائية ضد المدنيين والبنية التحتية نجم عنها قتل آلاف المدنيين من الأطفال والنساء، وتدمير الكثير من المرافق الخدمية والصحية والتعليمية فوق رؤوس قاطنيها.

وقد أشارت لجنة التحقيق الأممية المستقلة بشأن سوريا إلى مسؤولية القوات الروسية بشكل مباشر عن تلك الجرائم، كما أشارت تلك اللجنة من خلال المعلومات التي حصلت عليها من خلال التحقيقات التي قامت بها عن دور روسيا في ارتكاب الكثير من جرائم الحرب ومساعدة حكومة الأسد في شن غارات جويّة على المدنيين وعلى مواقع ليست عسكرية، وبالتالي فإنه من المؤسف والمخجل أن تمنح دوله مسؤولة عن جرائم حرب حسب تقارير آلية تحقيق تابعة لمجلس حقوق الانسان مقعد في المجلس نفسه مع الضرب بعرض الحائط كل تلك الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها ولا تزال، ورغم كل ذلك فإن المجتمع الدولي وأعضاءه في الأمم المتحدة تجاهلوا كل تلك الحقائق وصوتوا لروسيا، وبذلك حصلت على مقعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الأمر الذي يجعل من ذلك المجلس أكذوبة كبرى على الشعوب المضطهدة، والذي أبعد مايمكن أن يكون عن الاسم الذي يحمله.
وبتاريخ ٢/نيسان من عام ٢٠٢١ صدر تقرير حقوقي من منظمات روسية حقوقية يؤكد وبشكل دامغ ارتكاب روسيا لجرائم حرب في سورية، ويعد هذا التقرير المفاجئ الأول من نوعه، والذي يصدر عن منظمات حقوقية روسية تعنل داخل روسيا وهو مؤلف من 198 صفحة ويحمل عنوان “عقد مدمر“.

يتحدث هذا التقرير عن الانتهاكات الروسية في سوريه وتورطها في جرائم حرب من خلال القصف العشوائي على المدنيين ودعمها نظام الأسد الذي يقوم بعمليات القتل والتعذيب الممنهج، وقد أشار هذا التقرير الحقوقي إلى أن وسائل الإعلام الروسية لا تتحدث نهائيا عن ضحايا القصف الروسي في سورية ولا عن جرائم التهجير القصري والانتهاكات التي ترتكب ضد المدنيين التي تنتج عن الأعمال العسكرية الروسية في سورية، وبذلك فإن الجمهور والرأي العام الروسي مغيب تمامًا عن الجرائم التي ترتكبها قوات بلاده في سورية وعن المصلحة الحقيقية من هذه الحرب الهمجية، ومقدار تكلفتها المادية، وحجم المعاناة التي ألحقتها همجية قوات بلادهم بالمدنيين في سورية.

وقد تأكد هذا التقرير الحقوقي الروسي والذي أصدرته منظمات حقوقية روسية من خلال مقابلات أجراها نشطاء تلك المنظمات الروسية مع ناجين وناجيات من الحرب المدمرة يقيمون الآن في تركيا ولبنان والأردن وهولندا وبلجيكا وروسيا، ومن بين الذين قاموا بإعداد هذا التقرير شخص من أشهر المدافعين عن حقوق الإنسان في روسيا، بما في ذلك مركز ميموريال لحقوق الإنسان، ورئيس لجنة المساعدة المدنية سفيتلانا غانوشكينا. وقد استمر معدو هذا التقرير عامين كاملين في التحقيق المهني والمتابعة الحثيثة والتواصل، وذلك من أجل وضع الرأي العام الروسي بحقيقة ما يقوم به جنود بلادهم في سورية، وقد توصل التقرير لمعلومات مهمة من خلال وثائق رسمية تشير إلى أنه تم استهداف مناطق سكنية لمدنيين ومدارس ومشافي بعيدة عن أي أهداف عسكرية، كما ركز التقرير الحقوقي الروسي بأن القوات الروسية في سورية استخدمت أسلحة غير قانونية ومحرمة دوليا.

كما ركز التقرير على مئات الحالات من الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري، والتعذيب والتصفيات الجسدية، واختتم مناشدته للحكومة الروسية على استخدام نفوذها في سورية لوقف تلك الجرائم، والطلب من السلطات السورية إنهاء الاعتقالات التعسفية والاختفاء القصري والتعذيب والقتل خارج نطاق القضاء، كما دعا التقرير الحقوقية المنظمات الحقوقية الروسية لإجراء تحقيقات كاملة حول حملات القصف العشوائي التي أدت إلى مقتل مدنيين وتدمير البنية التحتية.

وخلال الخمس السنوات السابقة أشارت كثير من المنظمات الحقوقية السورية ومنظمات المجتمع المدني ومن خلال رسائل وإيميلات إلى مسؤولين أممين وعلى رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص لسورية، إلى أن روسيا مسؤولة عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتدميرها لكثير من المدارس والمشافي والمراكز الصحية، كما أنها مسؤولة عن تصفيات آلاف المعتقلين في مسالخ الأسد البشرية، إلا ان كل تلك الرسائل والمراسلات وحتى هذه اللحظة لم تجدِ نفعًا بوقف الهولوكست البشري والمحرقة البربرية التي تشنها روسيا على الشعب السوري والتي كان آخرها منذ أيام قليلة عندما قامت القوات العسكرية الروسية بقصفها لمشفى في منطقة الأتارب، خلف عشرات القتلى والجرحى وتدمير كامل للمشفى المذكور.

فما بين الإجرام ومبادئ حقوق الإنسان

روسيا إلى أين؟

scroll to top