روسيا ستتخلص من ” بشار ” كما تخلصت من “حفظ الله أمين” في أفغانستان

النقيب رشيد حوراني

بدأت الأزمة الأفغانية واقعياً عام 1973م،في أعقاب قضاء (الأمير محمد داود)على الملكية، واستيلائه على الحكم، إلا أنه لم يستطع تحقيق الاستقرار والأمن في البلاد، حيث تعاظمت الاضطرابات وزادت حركات التمرد، إلى أن قتل في الانقلاب العسكري في (نيسان) 1978م، وأعلن حزب الشعب الديموقراطي في بيان إذاعي أن السلطة قد أصبحت بأيدي المجلس الثوري للقوات المسلحة ، وباستيلاء الشيوعيين على الحكم، كخطوة أولى، تأكدت التوقعات من أن الخطوة التالية، ستكون الاحتلال الكامل لأفغانستان.
ففي كانون الأول 1978، وقعت موسكو معاهدة صداقة وتعاون ثنائية مع أفغانستان تسمح بالتدخل السوفييتي في حال طلبت أفغانستان ذلك ، وازدادت المساعدات العسكرية السوفييتية وأصبحت حكومة (حفظ الله أمين) معتمدة أكثر فأكثر على العتاد والمستشارين العسكريين السوفييت. ولكن في شهر تشرين الأول عام 1979 فترت العلاقة بين أفغانستان والاتحاد السوفييتي عندما تجاهل (حفظ الله أمين) النصائح السوفييتية بجعل حكومته أكثر استقرارا.
تحرش المقاتلون في المناطق الجبلية بالجيش الأفغاني إلى درجة أن حكومة (حفظ الله أمين)توجهت إلى الإتحاد السوفييتي بطلب لزيادة حجم الدعم. فقرر الاتحاد السوفييتي تقديم هذا الدعم للحفاظ على الحكومة الموالية له في البلاد، ولكن شعرت بأن (حفظ الله أمين) كقائد أفغاني ليس قادرا على القيام بهذا الدور.
في 22 كانون أول أشار مستشارو القوات المسلحة الأفغانية السوفييت على القوات المسلحة الأفغانية بالعمل على صيانة الدبابات وأشكال أخرى من العتاد الحرج والمهم ، وفي تلك الأثناء انقطعت شبكة الاتصالات إلى المناطق خارج كابول، عازلة بذلك العاصمة. وبوضع أمنى متدهور، انضمت أعداد كبيرة من القوات السوفييتية المجوقلة للقوات المتمركزة على الأرض وبدأت بالانتشار في كابول. وفي ذات الوقت نقل ( أمين ) مكاتب الرئاسة إلى (قصر تاجبك) ، معتقدا أن ذلك سيكون أكثر أمنا من المخاطر المحتملة.
في 27 كانون أول عام 1979، قام 700 بينهم 54 عميل( كي جي بي ) من القوات الخاصة مرتدين اللباس الأفغاني الموحد باحتلال الأبنية الحكومية والعسكرية والإذاعية الرئيسية في العاصمة كابول، بما فيها هدفهم الرئيسي (قصر تاجبك الرئاسي)، حيث تخلصوا من (الرئيس حفظ الله أمين) . بدأت تلك العملية الساعة السابعة مساء، عندما قام أفراد القوات الخاصة السوفييتية بتفجير مقسم الاتصالات الرئيسي في كابول شالين بذلك القيادة العسكرية الأفغانية، وفي الساعة السابعة والربع، بدأت المعركة في (قصر تاجبك) واستمرت لمدة 45 دقيقة ، وأعلنت القيادة العسكرية بأنه جرى تحرير أفغانستان من حكم (حفظ الله أمين).
ووفقا للمكتب السياسي السوفييتي، كان السوفييت يطبقون معاهدة الصداقة، التعاون وحسن الجوار لعام 1978 التي وقعها الرئيس السابق ( تاراكي ) ، واعتقد السوفييت بأن إزاحة ( أمين ) ستنهي الصراع الداخلي ضمن حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني ويقلص من السخط الأفغاني.
قال السوفييت أن إعدام (حفظ الله أمين) تم على يد اللجنة الثورية المركزية الأفغانية التي اختارت (بتدبير السوفييت) النائب السابق لرئيس الحكومة (بابراك كارمال) بديلا عنه ، ودخلت القوات الأرضية العسكرية أفغانستان من الشمال في 27 كانون أول . وفي الصباح كان الاجتياح السوفييتي لأفغانستان جاري على قدم وساق.
بشكل عام، رفض (بريجينيف) 18 طلب رسمي للمساعدة العسكرية من الحكومة الأفغانية قبل الأمر بالتدخل السوفييتي الفعلي في أفغانستان ، وبشكل قانوني لم تكن العملية احتلالا، وادعى الاتحاد السوفييتي أن التسمية كانت نتيجة للدعاية الأمريكية المضادة للسوفييت.
وتؤكد الوقائع والأحداث في سورية أن روسيا بدأت مستوى جديداً من دعم النظام السوري ، وبناءاً على هذا وكل ما سبق خلال أربع سنوات كسبت روسيا عداوة الشعب السوري، وباتت بالنسبة للملايين شريكاً للسلطة السورية وطرفاً عدواً، وبغض النظر عن مواقف الدول العربية من روسيا كدولة، إلا أنها دون شك خسرت بسياستها المتحيزة تجاه الأزمة السورية صداقة الشعوب العربية، وفقدت ثقة العرب بها، وهي في طريقها لخسارة أي مستقبل مقبول لها في المنطقة.
وبدخول أول جندي روسي بسلاحه إلى سورية ليقتل سورياً، باتت روسيا خطراً على الشعب السوري، وباتت من وجهة نظر السوريين قوة احتلال أجنبية دخلت إلى سورية لحماية النظام وإطالة عمره ليس إلا، ثم أن هذا المستوى الجديد من الدعم هو دليل على أن نظام الأسد بلغ نقطة الانكسار التي تسبق السقوط المدوّي ، ولم يعد ممكناً إنقاذه سوى بدعم عاجل من القوات الروسية التي انضمّ إليها مئات من جنود ”الباسداران ” الإيرانيين في الأيام الأخيرة.

لكن للتاريخ دروس وعبر ، فحينما دخلت القوات السوفياتية إلى كابول في ٢٤ كانون الأول ١٩٧٩ لإنقاذ النظام الذي لم يكن يسيطر سوى على المدن وعلى ٢٠ بالمئة من أفغانستان، كان أول ما قامت به هو إعدام الرئيس الصديق ( حفيظ الله أمين ) في ٢٧كانون الأول ، واستبداله (بـ بابراك كارمل ) الذي أعدمه الروس أنفسهم لاحقا.ً
‎ما يحدث في دمشق، في هذه الأيام الحاسمة، هو محاولة روسية ـ إيرانية يائسة للحؤول دون سقوط بشار الأسد، أو للحؤول دون إخلاء دمشق والانسحاب إلى منطقة الساحل، إلا إذا كان الروس والإيرانيون قد سلّموا بسقوط العاصمة .
‎مصير بشّار الأسد لن يكون مختلفاً كثيراً عن مصير (حفيظ الله أمين ) ، فمن يكون (بابراك كارمل ) السوري؟ حرب أفغانستان أسقطت الإتحاد السوفياتي ( العظيم )، فهل تسقط إمبراطوريتي الشاه خامنئي والقيصر بوتين في الوحول السورية ؟
مع العلم أن الهزيمة المنكرة التي مني بها الاتحاد السوفيتي على يد الأفغان ، راسخة في ذاكرة كثير من الروس حتى وقتنا الراهن. وهو ما تجلى بوضوح في تردد موسكو بشأن التورط في أفغانستان مرة أخرى حتى في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، حيث رفضت روسيا وما زالت ترفض أن تضع قدما في أفغانستان مرة أخرى.
وفي المقابل يدرك الروس أن التدخل العسكري خارج حدود روسيا، ولا سيما في المنطقة العربية له تبعات كبيرة جدا، ليس أولها تكرار السقوط في مستنقع أشد شراسة من أفغانستان، ولن يكون آخرها التفريط بحجم كبير من المصالح الاقتصادية المتبادلة مع الدول العربية والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص.
ويدركون أن أي تدخل عسكري روسي مباشر في سورية سيحولهم إلى قوة احتلال أجنبية يتحد على مقاومتها جميع مكونات الشعب السوري، ويدركون جيدا أن إيران التي زجت بكل قواها ابتداء من حزب الله إلى كتائب أبو الفضل العباس وعصائب أهل الحق وبقية الفصائل الشيعية وليس انتهاء بالمرتزقة الكوريين، لم تحل دون تقهقر الأسد وخساراته الميدانية المستمرة ، كما أدرك الروس يقينا ثمن التدخل في أفغانستان حيث خرجوا منها مهزومين منكسي الرؤوس مما أدى إلى انهيار الاتحاد السوفيتي لاحقا ، فما الذي يمنع أن يتكرر ذلك في سوريا مع الاتحاد الروسي ؟
(فبشار) ليس بأفضل من (حفظ الله أمين) ، و(سوريا) ليست أقل من (أفغانستان ).

اترك تعليقاً

scroll to top