رسالة مفتوحة الى المفاوض السوري

بقلم أبو عبد الله أبو الهيجاء

444

 

تستحق مفاوضات أوسلو الفلسطينية أن تكون مسطرة مفاوضات جنيف السورية فأوجه الشبه كثيرة الى حد يقترب من التطابق .

فالموقع الجغرافي لكل من الشعبين المستضعفين في أرض الشام المباركة   ، ومركزية الجغرافية  واحدة ، وتاريخية الصراع مع الغرب واحدة .

كما أن الخصوم في الحالتين أعداء للأمة تاريخياً ، ويبقى الراعي للمفاوضات في كلا الحالتين من نفس المنظومة الدولية.

أغرت أمريكا ياسر عرفات بوعود وأعطته ضمانات ، وما أن خاض في المفاوضات حتى تركته وانسلت فإذا به يجد نفسه بين فكي اﻷفعى تحاول قضمه وهضم حقوق شعبه وتلتهم حلمه شيئاً فشيئاً وهو وحيد يقدم التنازلات … لعله يحظى بما يحمله لشعبه بعد عقود من نزيف الدم وتعاقب الثورات.

إلى أن وصلت اﻷفعى للحظة همت بها أن تلتهم قلب القضية فما كان من عرفات إلا اﻻنسحاب .

لكن ماذا حصل بعد اﻻتفاق ورغم اﻻنسحاب ؟

– تحقق للخصم ما يريد فقد كسر الإرادة الثورية سياسياً .

– انطفأت الجذوة الثورية الشعبية التي خلخلت حينها أركان العدو.

– تغيرت القضية من المفاهيم والمطالب الثورية إلى مجرد ترتيبات زمانية ومكانية.

– تحول الطرف السياسي المفاوض من طرف ثوري يعبر عن الشعب إلى حارس يضبط اﻷمن.

– انقسمت الجغرافية الشعبية بين مناطق أسيرة للاتفاق اﻷمني ومناطق محاصرة ومأزومة في الجانب المعاشي.

– تغير حال العدو من اﻻرتجاف وتقديم التنازﻻت إلى مانح للعطاءات بالإبرة والمغناطيس وفق التقديرات.

– انتقل الصراع بين شعب ثائر في وجه الخصم إلى شعب يتقاتل وفق التجاذبات السياسية للأطراف المحلية.

– حصل التصدع بعد الوحدة التي كانت تشكل أهم نقاط القوة.

– ابتعد تحقيق الحلم مسافات رغم كل الدماء وتجدد الثورات.

تستحق تجربة أوسلو الدراسة العميقة والتفصيلية من قبل كل فرد في الجسم المفاوض السوري ، وأجزم أن عدم دراستها سيوقع البعض باﻷخطاء نفسها .

إن الحالة الثورية السورية رغم قصر عمرها إذا ما قورنت بالثورة الفلسطينية  إلا أنها وصلت للمستوى المتقدم من أشكال المعاناة والمآزق والتآمر الدولي والخذﻻن العربي الإسلامي.

ولكن ثمة فروق جوهرية لصالح الثورة السورية تجعل المفاوض في جنيف أفضل حاﻻً بكثير منه في أوسلو .

– إن المفاوض السوري يفاوض وهو يملك أرضاً ومناطق محررة .

– إن الجسد المفاوض يعبر عن فسيفساء الحالة الثورية وليس حالة انفرادية.

– التواجد لممثلي القوى الثورية العسكرية وفي أعلى هرم الفريق المفاوض.

– وصول الحالة الثورية على اﻷرض لتشكيل تحدٍ حقيقي يوازي في كثير من اﻷحيان والمناطق قوة النظام الذي عجز عن دحر الثوار.

– الموقع الجغرافي بجانب المنقذ التركي الذي شكل حليفاً طبيعياُ للثورة.

– التهديد المباشر للدول العربية والإقليمية من نفس الخصوم المعادين على اﻷراضي السورية .

إن كل تلك العوامل القوية تجعل المفاوض السوري أقوى بإرادته وأطول بصبره وأدوم بمعاركه .

ليس المقصود من هذا إطالة عمر الثورة الشعبية ، ولكنه الثبات المطلوب لتقليل عمر المعاناة والتعقيدات المستقبلية.

إن الراعي الدولي الذي لم يرد إيقاف البراميل الأسدية و الصواريخ الروسية لن يفكر في تنحية بشار وأجهزته اﻷمنية ، بل إن مؤشر تطبيق الشروط  الإنسانية يعطي دﻻلة واضحة على مسار المفاوصات النهائية .

إن أي تنازل أو تصدع في الجسم الثوري المفاوض سيكون طعنة أعمق جرحاً ﻷبناء الشام الذين قدموا أرواحهم رخيصة لتحقيق المطالب الشعبية .

بل إن أي تنازل عن زوال الأسد ومنظومته اﻷمنية سيعقّد المشهد لعقود تتحول فيها الثورة الموحدة اﻷطراف واﻷهداف إلى  صورة أقل ما يقال عنها عبثية.

لقد قدم الشعب السوري دماء كثيرة ، ورغم آلامه إلا أنه يبعث للمفاوض  رسائل تلو الرسائل يعبر فيها عن قلقه وخوفه من التنازلات المرحلية .

أي شعب هذا الذي يصر على النصر ويسير في اﻻتجاه الصحيح وهو ينزف وعروقه تتمزق تحت نيران الخصم ويأبى الدنية في ثورته ، بل يصر على بوصلة الثورة النقية .

إن مركزية الإنسان في الثورة السورية أعلى درجة من قيمة الجغرافية المحلية ، فإن نجح المفاوض وحقق شرط الثبات فإنه من المحتمل أن يحقق تقدماً في الحالة الثورية ، ولكن إن تراجع أو تصدع – ﻻ قدر الله – فإنه من المؤكد ضياع اﻷرض وزوال الإنسان الذي سيُستعبد بعد ثورة نادرة في تاريخ البشرية.

لقد قُتل الخصم الدولي ياسر عرفات بعد أن فاوض وقدم بعضاً من التنازﻻت غيرت إلى اليوم مسار وواقع القضية ، فإن قُدر لكم أن تقتلوا شهداء في معارك المفاوضات الثورية ، فلا تتنازلوا حتى ﻻ تلعنكم القلوب والعقول كما تلعن بشار وسلطته اﻷسدية ، بل اثبتوا واصبروا وصابروا ورابطوا حتى تحققوا نصراً للقضية أو تُقتلوا كما قتل نصف شعبكم وتحصلوا على رضا الرحمن _  إن شاء الله ­­­_ والدعوات الصادقات من الحناجر والقلوب النقية .

إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذينَ يُقاتلونَ في سبيلِهِ صفّاً كأنّهمْ بُنْيانٌ مرصوصٌ ، فإن حققتموها فلن تُهزموا بإذن الله وسترون في عدونا وعدوكم تقهقراً وتراجعاً وفق سنن الله الكونية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top