{داعش والميليشيات الكردية وجهان لعملة واحدة التطرف}

 

 

تتوفر تنويعات مختلفة من الداعشية، وتتشارك منها مع الداعشية الأكثر تطرفا (تنظيم الدولة) في الكثير من البنيات الفكرية والقناعات، ومرد ذلك ثقافة هوياتية اجتماعية ودينية وسياسية سيطرت على الفضاء العام خلال نصف القرن الماضي على الأقل، واعتاشت على مناخات تراجع ذريع ولدها فشل إقامة الدولة الوطنية في منطقتنا، والتدخلات والحروب وحالة عدم الاستقرار التي لم تنقطع، وكأن قدر الشعب السوري أن يتعرض لمحاولات إزالته بشكل ممنهج من أرضه وعلى أسس (داعشية) طائفية تارة وعنصرية قومية تارة أخرى، فاستخدمت داعش منذ منتصف العام 2014م كأداة لتدمير الدولة السورية، وتم استثمار هذا التدمير للإساءة للدين الإسلامي على أنه دين تحكمه الهمجية التي تحارب كل ما له علاقة بالحضارة الإنسانية وآثارها وأوابدها من جهة، ولشحذ تعاطف الرأي العام مع نظام الأسد المجرم الذي يسوق نفسه على أنه يحارب إرهاب داعش، ومحاولاته اختلاق مسميات في المنطقة، مثل ولاية الخير (دير الزور)، و ولاية البركة(الحسكة) بهدف التزييف والتزوير لمشروع لا يمكن أن يكتب له النجاح، وجلب المتطرفين من أصقاع العالم لاحتلال الأرض وطرد سكانها الأصليين لإقامة خلافتهم المزعزمة.
على الجانب الآخر وجدت قوات سورية الديمقراطية التابعة لحزب العمال الكردستاني والمدعومة عسكرياً ولوجستياً من النظام، فخطفت صوت الشارع الكردي مسيئة لنضال الشرفاء الوطنيين من السوريين الكرد كمشعل التمو، وأتت بتصرفات داعشية لا تقل شأنا وتطرفا عن السلوكيات الصادرة عن تنظيم داعش إلا أن الأول يُرد إلى التعصب الديني، والثاني مرده إلى التعصب القومي الأعمي، وأطلقت على منطقة الجزيرة التاريخية تسمية روج آفا وهي كلمة تعني بالكردية “الغرب” وهي اختزال لغرب كردستان كناية عن منطقة الجزيرة وغيرها من المناطق إضافة إلى محاولة إجراء التغيير الديموغرافي وارتكاب المجازر وممارسة الإرهاب للسكان المدنيين بقوة السلاح، وصولا إلى استقدام المرتزقة للقتال وإراقة دماء الشعب السوري وهو ما اعترف به القيادي في المليشيات الكردية الانفصالية “قوات سورية الديمقراطية” ريدور خليل، إن مقاتلين من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا ودول أخرى يشاركون في القتال ضد القوات التركية في عفرين، وهو أمر ليس بجديد حيث أعلنت “الوحدات الكردية” في مدينة رأس العين بمحافظة الحسكة عام 2015م، عن تشكيل كتيبة “الحرية العالمية”، التي تضم نحو 200 عنصر من جنسيات أجنبية. وينتمي منتسبو الكتيبة إلى الحزب الشيوعي اللينيني، كما أشارت صحيفة “التايمز” البريطانية إلى أن مجموعة من المقاتلين الغربيين اتجهت إلى عفرين لدعم وحدات حماية الشعب الكردي في التصدي للهجوم التركي.
إن ذلك كله على خطورته يطرح جملة من الحقائق والتحديات التي يجب أن تقض مضاجع الجميع، وتدفع الجميع إلى العمل بموجبها على التخلص من التعسف الأخلاقي الكبير في ربط علاقة قوية بين التدين والسياسة من جانب، والسياسة والعرق من جانب آخر، والعمل على تعميم الروح الوطنية، وتجسيد مفهوم المساواة المطلقة بين المواطنين بغض النظر عن أي معطى آخر، وهو المفهوم المُنتظم في إطار الدولة المدنية التي لا تهتم بماهية الأفراد، بل بمنحهم حقوقهم ومطالبتهم بواجباتهم وفق الدستور، وهو ما يشكل الحصن المنيع والسور العتيد الذي تبني الدولة بموجبه حضارتها.

اترك تعليقاً

scroll to top