ما بين قمة بايدن بوتين.. الملف السوري إلى أين ؟

أ.فهد القاضي – المكتب القانوني

تتجه أنظار السوريين في المناطق السورية المحررة وبلاد المهجر واللجوء في هذه الأيام إلى جنيف حيث ستعقد في السادس عشر من الشهر الجاري القمة المنتظرة بين زعمي أكبر قوتين متدخلتين في الشأن السوري.

وبذلك فإن محادثات وتحليلات السوريين اليوم وحتى انعقاد هذه القمة وما سينتج عنها هي التي تتصدر معظم نقاشاتهم سواء على الصعيد الفيزيائي أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ما بين متفائل بحدوث انفراج في المسار السياسي والذي وصل إلى طريق مسدود وذلك بسبب تعنت نظام الأسد (ومن خلفه حلفائه إيران وروسيا) على إحراز أي خطوة إيجابية في ذلك المسار و الانخراط بشكل جدي بالعملية السياسه لتنفيذ، القرار 2254 أو التقدم  بجزئية اللجنة الدستورية والتي أنهت حتى هذه اللحظة خمس جولات بدون إحداث أي نتيجة بالمطلق.

وما بين متشائم من عدم حدوث أي تقدم ملحوظ في المستقبل المنظور على صعيد الساحة السورية والتي أصبحت ميدان دولي لتصفية النزاعات الدولية على وجه الكوكب الأرضي، وهذا الفريق يستند في نظرته بأن الروس والأمريكان هما ليسا في حالة صراع على  الملف السوري  رغم اختلافهما ببعض الجزئيات فيه، وأن سورية لا تشكل أي أولوية بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية والتي حددت أهدافها في سورية عبر تصريحات لكثير من مسؤولي الإدارة الجديدة والتي تتمثل بدعم مليشيات قسد الإرهابية وتنظيم بي كا كا الانفصالي وقتال داعش وسلسلة العقوبات لتغير سلوك نظام الأسد.

ولا بد من الإشارة في هذه الدائرة إلى أن إدارة بايدن لم تلجأ وحتى هذه اللحظة لفرض أي عقوبات جديدة على نظام الأسد، لا بل إنها تساهلت وغضت الطرف عن قوافل القاطرات والصهاريج التي تنقل النفط من مناطق سيطرة قسد إلى مناطق سيطرة النظام، كما أنها تقمصت شخصية الأعمى عن وصول ناقلات النفط الايرانية وتفريغها في مينائي بانياس وطرطوس، كما أنها تساهلت في تطبيق مواد قانون قيصر وجمدت بعض العقوبات فيما يتعلق ببعض المواد، وذلك بدواعي إنسانية أو طبية على حد زعمهم.

وبالنظر إلى موقف القيادة الروسية في الطريق إلى جنيف فإن موسكو قد حسمت موقفها بشكل صريح وواضح وذلك على لسان المتحدث باسم الكرملين ( ديمتري بسكوف ) الذي ألمح إلى ضرورة خفض مستوى التوقعات وحصر نتائج القمة المرتقبة بمستوى الحوار فقط باعتباره الفعل الايجابي الوحيد الذي يمكن ان يصدر عنها، حيث قال وبالحرف (إن حجم الخلافات بين موسكو وواشنطن وحتى مظاهر النزاع في العلاقات الثنائية كبير جداً لدرجة أنه لا مبرر لتوقع تحقيق أي تقدم نحو التوصل إلى تفاهم كبير لكن في بعض الأحيان يكون من المفيد أيضاً الاتفاق على أننا لا نتفق).

فروسيا اليوم والتي هي مثقلة اقتصادياً والمحاصرة بالعقوبات لم تتوقف عن مشاغبة واشنطن ومناكفتها على الساحة الدولية، فهي قامت وقبل القمة المزمع قيامها بالحشد عسكرياً غربي أوربا وببعض العمليات الاستفزازية في أوكرانيا، كما أنها  ايضاً أعادت تدوير نظام الأسد في سورية من خلال مباركتها لانتخاب بشار الاسد على ما تبقى من سورية، لذلك اعتقد بأن موسكو ستتقمص شخصية الأطرش حول انتقادات بايدن لها لملف حقوق الإنسان والحريات في روسيا وبقية الملفات الأخرى ومنها سورية، محاولة بذلك تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية ليوم التفاوض الحقيقي مع الأمريكان.

كل ذلك ناتج عن عدم وضوح الرؤية الأمريكية في كيفية التعاطي مع موسكو بسبب كثرة الملفات المتشابكة بينهما، ولكنها بطبيعة الحال هي سياسة تمارسها واشنطن لاستنزاف الروس على المدى البعيد. مما يؤكد هذه النظرة أن وزير الخارجية الروسي والذي كان أكثر صراحة من غيره من المسؤولين الروس أكد في وقت سابق أن بلاده لا تتوقع قرارات تاريخية مفصلية خلال قمة جنيف،

ووفق كل ما سردناه آنفا علينا أن نصل إلى قناعة مطلقة ونتيجة حتمية تتمثل بأنه على المعارضة السورية أن تبحث عن آليات نافعة جديدة وناجعة تجعل منها صفاً واحداً سواء على الصعيد السياسي أو العسكري أو المدني أو القانوني في مواجهة الاحتلالات الروسية والإيرانية والأسدية الطائفية ومليشيات قنديل الإرهابية الانفصالية التي جعلت من سورية كونتون لمشاريعها المختلفة والهادفة إلى تقسيم سورية وتحويلها إلى أشلاء متناحرة ومتحاربة.

لذلك فانه يتوجب على المعارضة السورية في حال لم يتم التوافق الأمريكي الروسي حول سورية وهذا ما هو متوقع أن تسارع لتوحيد صفوفها أكثر وأكثر من أي وقت مضى، وذلك لمساعدة الحلفاء الذين أثبتوا صدق نواياهم من خلال أفعالهم وتضحياتهم على الأرض بمواجهة المشروع الدولي الذي جعل من سورية مسرح لاختبار الأسلحة الفتاكة ما بين الحين والآخر، وذلك لانتزاع الحل السياسي السلمي العادل والمتمثل بتنفيذ القرار 2254 بتشكيل مجلس حكم انتقالي واسع الصلاحيات لا وجود لعصابات الأسد فيه.

إن مسار الأحداث في سورية يثبت يوماً بعد يوم بأن القوى الغربية عموماً والامريكي الصهيوني خصوصاً تتقاطع مصالحه مع قوى الإجرام  والتدمير في سورية، وبالتالي فإن سعيهم المحموم  يتجه وكما هو ظاهر من سياساتهم نحو تحقيق الانهيار الشامل وتفتيت مكونات الشعب السوري وحاضرته العريقة وإيصال سورية إلى نهايات مجهولة وكارثية أكثر مما هي عليه الآن بكثير.

وختاماً فإن الدفع بتوحيد الصفوف بشكل جاد وواضح نحو علاقة أفضل بين مكونات المعارضة السورية الوطنية البعيدة عن كل الأيديولوجيات هو من أوجب الواجبات في ظل تلك الظروف الدولية العصيبة، وهو أمر لا بد منه للوصول إلى ميدان القرار 2254 والذي سيكون الخطوة الأولى لتغيير النظام السياسي في سورية نحو الديموقراطية والحرية والكرامة والسيادة الوطنية.

scroll to top