بهجة إيران بالإتفاق النووي ومأتم مشاكلها التي لاتنتهي

 بقلم النقيب رشيد حوراني

توصلت إيران والقوى العالمية الست إلى اتفاق نووي قد يغير ملامح منطقة الشرق الأوسط  بعد أكثر من عشر سنوات من المفاوضات المتقطعة  ، ويعيد صياغة تحالفات دولية وعداوات واولويات تقليدية، وتحديد مكانتها كذراع للولايات المتحدة والغرب ، فالأميركيون والإيرانيون  .. تسابقوا في كشف أوراقهم كلها قبل وضعها على طاولة المفاوضات ونسفوا مسبقاً مسبّبات الغموض المعهود في التفاوض ذي الطابع الاستراتيجي: أوباما لم يترك وسيلة ولا طريقة، بما فيها النكبة السورية  من أجل تأكيد «صدقيّة» سعيه إلى اتفاق مع إيران، من جهتها، لم تترك وسيلة أو طريقة لتأكيد «صدقية» سعيها إلى ذلك الاتفاق تحت وطأة أكلاف ذلك المشروع، واستحالته وتأثيرات العقوبات الاقتصادية والمالية على مجمل وضعها.

ويقضي الاتفاق برفع العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة على إيران مقابل موافقتها على فرض قيود طويلة المدى على برنامجها النووي الذي يعتبره الغرب أنه يهدف إلى صنع قنبلة ذرية، وسيتم معاودة العقوبات على إيران خلال 65 يوما إذا لم تلتزم باتفاقها مع القوى العالمية الست للحد من برنامجها النووي ، وأن حظر الأسلحة سيستمر  بموجب الاتفاق النووي خمس سنوات بينما سيستمر الحظر على الصواريخ ثماني سنوات ، والحد من النشاط النووي الإيراني لأكثر من عشر سنوات مقابل التعليق التدريجي للعقوبات التي شارف اقتصادها بسببها على الانهيار.

أُبرم الإتفاق في وقت رصدت فيه الخارجية الامريكية في تقريرها حول الإرهاب في العالم عام 2014  ان ايران  من أكبر الدول الراعية للإرهاب والداعمة له في منطقة الشرق الأوسط والعالم ، وقدم التقرير رصدا كاف لرسم صورة عن الإرهاب الذي تمارسه ايران ودورها التخريبي في المنطقة والعالم ، وأبرز بصفة خاصة دور ايران الارهابي والجماعات الارهابية التي تدعمها في سوريا ولبنان والعراق   وبعضها مصنف عالميا ضمن الجماعات الإرهابية أنها فاقمت من التوترات والاحتقان الطائفي وارتكبت انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان وخصوصا ضد المدنيين السنة، وأنها تستخدم فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني للقيام بعمليات مخابراتية سرية وإشاعة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم ،بالمجمل وصف التقرير بأن الإرهاب يمثل الملامح الأساسية لنظام الملالي الإيراني .

و كشف خامنئي عقب الإعلان عن الاتفاق بقوله : “قلنا للمفاوضين (الإيرانيين) بأنه یحق لهم مناقشة القضیة النوویة فقط، ورغم أن الجانب الأمیرکي یطرح أحیاناً قضایا المنطقة ومن ضمنها سوریا والیمن.. فإن مسؤولینا یقولون إنهم لا یتفاوضون حول هذه القضایا” فبين من حيث يدري أو لا يدري أن المفاوضات تناولت ملفات أخرى في المنطقة وعلى رأسها اليمن وسورية .

إلا أن إيران على الرغم من توقيعها لهذا الاتفاق تواجه  في الفترة الحالية العديد من المشكلات والأزمات منها: 
– توقيع الاتفاق النهائي مع مجموعة 5+1 لتتمكن من رفع العقوبات الاقتصادية والتجميد المفروض على أرصدتها.
– عاصفة الحزم اليمنية وتأثيراتها السلبية على الطموحات الإيرانية الهادفة إلى تحقيق السيطرة على مجالها الحيوي المفترض والذي يوصلها إلى مياه البحرين الأبيض والأحمر.
– تمدد تنظيم الدولة في العراق وسيطرته على بلدات جنوب سامراء على مقربة من المرقدين والخشية من عودته إلى محافظة ديالى.
– تآكل قدرات جيش النظام  السوري وعدم قدرته على الاحتفاظ بالأراضي التي تحت سيطرته.
– تزايد خسائر حزب الله اللبناني في معارك القلمون وتصاعد الدعوات المطالبة بانسحابه من سوريا.
يضاف إلى ذلك الأزمات الإيرانية الداخلية والمتمثلة بالتأثيرات السلبية للعقوبات الاقتصادية وما نتج عنها من فقر وبطالة، وتفاقم مشكلة الإقصاء الشعبي وتهميش الأقليات واضطهادها وبدء الحديث عن حراك شعبي في الأحواز ومهاباد وبلوشستان إيران، وتفاقم مشكلة المخدرات والبغاء.وثورات أصبحت مختمرة وليست الثورة الخضراء عام 2009م وانتفاضة مهاباد عنا ببعيدتين .

لهذا هاجمت صحيفة كيهان الرسمية الإيرانية التي تعد الصحيفة الأولى والأكثر انتشارا في إيران، اتفاق فيينا النووي بين إيران ومجموعة 5+1 واعتبرته بمثابة هزيمة وتنازل مطلق عن أهداف المشروع النووي الإيراني، وأنه مخيب للآمال بحسب وصفها، وعنونت  كيهان التي تعبر عن رأي المرشد الإيراني علي خامنئي، والحرس الثوري الإيراني في عددها الصادر الأربعاء، بأن الرواية الإيرانية تختلف 180 درجة عن الرواية الأمريكية حول الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعت عليه إيران بفيينا.

الأمر الذي دلل عليه بوضوح ظاهرة جواد ظريف وتصرفاته وسلوكياته الهستيرية والصبيانية التي تجلت بالفرح المبالغ به عند كل مرة يظهر فيها للإعلام والفرح في الأساس هو انفعال يُبينه علم النفس بأنه فرح فيما ينبغي، وبالقدر الذي ينبغي، وعلى الوجه الذي ينبغي، وهذا جماع الاعتدال وعينُه لكن ما انطبق على تصرفات ظريف قول الشاعر :

لا تحسبوا رقصي بينكم طربا … فالطير يرقص مذبوحا من الألم
سيل الكآبة موصول بأوردتي … وأنهر الحزن تجري في شراييني

ونحن في سورية كثائرين نرى أن الرفع المتدرج للعقوبات الاقتصادية، وما يعنيه من انتهاء تجميد الارصدة وضخها في اقتصاد طهران المنهك يعني دعما مهما لنظام الملالي الإرهابي من جهة ،وزيادة في انغماسها في مستنقع مشاكلها المتمثلة في الجبهات المشتعلة التي تعمل على تغذيتها دون أن يكون لها القدرة على الحسم فيها ، ورغم ذلك سيسوق نظام الملالي أن الاتفاق انتصارا  وسيشاركه الشعب ذلك ليس ابتهاجا بالاتفاق بل لأنه ملّ العيش تحت وطأة الفقر، وأقليميا فان الاتفاق يعني أبعد من البرنامج النووي، ورفع العقوبات، اذ انه بمثابة اعلان ضمني عن تعاون يلامس حدود الشراكة الاستراتيجية بين إيران والغرب  و اطلاق يديها  اقليميا، وخاصة سوريا والعراق ولبنان واليمن . وهذا ما دلل عليه تهنئة رئيس النظام الأسدي المجرم  بشار الأسد حليفته الرئيسة إيران بالتوصل إلى اتفاق نهائي في شأن الملف النووي، معتبراً ذلك “نقطة تحول كبرى في تاريخ إيران والمنطقة والعالم”.  لأن الأسد المجرم يتوقع مزيدا من الدعم الإيراني عقب هذا التوقيع .

علماً أنها لن تتمكن  من الاستمرار في تقديم المساعدات الاقتصادية اللازمة لدعم الاقتصاد السوري المتهالك، ولجأت إلى تقديم القروض المالية مقابل ضمانات تمثلت في رهن عقارات وأراض تعود للدولة السورية (طلبت إيران مؤخرا ضمانات بمبلغ 18 مليار دولار مقابل تقديم قَرص بقيمة 4.6 مليارات دولار )

وفي النهاية بات الجميع على قناعة بأن  الدور الإيراني صبَّ ولا يزال ، في تفتيت المنطقة فأين المشكلة الأميركية والإسرائيلية مع هذا الدور؟ وأين المشكلة الأميركية والإسرائيلية في تقسيم العراق بواسطة الميليشيات المذهبية التابعة لأحزاب تتلقى تعليماتها من طهران؟ أين المشكلة في ألا تقوم لسوريا قيامة في يوم من الأيّام؟ وكذلك اليمن والبحرين وسيبقى هذا الدور ذاته بعد الاتفاق كما كان قبله ،لكنه لن يكتب له النجاح والاستمرار في ضوء التحدي السعودي له الذي ضرب بعرض الحائط  تطمينات راعي البيت الأبيض بتحذير ايران وبكل وضوح من محاولاتها العبث وإثارة المشاكل أكثر ،وانتصارات المقاومة الشعبية في اليمن والثوار في سورية متيمنين بقوله تعالى : هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.

 والله غالب على أمره

اترك تعليقاً

scroll to top