الواقع الاجتماعي في ظل إرهاب داعش وسياسة الاستبداد

عبد الله حريب

ديرالزور ـالميادين

 

في صيف 2014 سيطر تنظيم “داعش”  على المدينة ورفع راياته موهماً نفسهُ أنهُ انتصر، عندما رأت الفصائل المسلحة أفعال التنظيم في المناطق التي سيطر عليها، والمجاز التي ارتكبها، قررت تسليم المدينة دون قتال خوفاً من ارتكاب مجازر أكثر، وخرجت دون علم أحد بالأمر، دخل “التنظيم” وأوهم الناس من خلال خطابه على منابر المساجد أنه جاء لنصرة الدين، في الوقت نفسه دعا جميع من بقي بحوزته سلاح على مبايعته والانضمام إلى صفوفه، وأصبح يفرض حظر تجوال في المدينة ليرعب الناس أكثر، ما إن لبث أيام حتى بدأ بحملات الاعتقال والإعدام لكل من كان يقاتل إلى جانب الفصائل المسلحة.

وقام بمصادرة أملاك من سماهم “بالمرتدين”، وتصرفوا بالحكم المطلق وضرب بيد من حديد “قطع رؤوس، وجلد، وقتل بأشكال غريبة “أيضاً فرضوا “الغرامات المالية، والضرائب، والزكاة” ومبلغ قدرهُ”7000″ ل.س” لكل من يخالف اللباس الشرعي أو يقوم بحلق لحيتهِ.

دخلت المدينة في دوامة من الخوف والرعب على خلفية الاعتقالات العشوائية، وحمل عناصر التنظيم الحقد والبغض لأبناء المدينة، حيث أصبح الرجال لا يخرجون إلا لعملهم الذي بات ضعيفاً جداً  وتقوم النساء بمهام المنزل من شراء الحاجات والتسوق حفاظاً على أزواجهن وأبنائهن من حملات الاعتقال العشوائي.

وباتت المدينة شبه خالية من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين “الخامسة عشر والخامسة والثلاثين” وأغلب العوائل من أبناء المدينة هربوا من شدة بطش التنظيم، هذا البطش أيضاً أصاب السوق الذي كان مهماً لجميع التجار السوريين الذي يعتبرونهُ أكبر مركزاً في سوريا.

بدأ بالتراجع حيث أصبحت المواد الاستهلاكية غالية الأسعار، مما أجبر بعض الأهالي الذين يعانون من فقر شديد إلى التسول علناً لتأمين قوتهم اليومي، بسبب حصار المدينة من “النظام والتنظيم”، ومنع إدخال المساعدات الإنسانية والطبية من أي منظمة دولية، نجم عن ذلك  نقص حاد في جميع أنواع الأدوية.

كذلك الريف المجاور هو أكثر مأساة من المدينة بعدما قام طيران التحالف بهدم الجسور الرابطة بين الريف والمدينة مما أدى إلى عجز كبير في سبل العيش.

للنساء قصة أخرى وحالة مأساوية، عناصر التنظيم زاد بطشهم أكثر حيث يقومون بفرض العقوبات، والإهانة، والضرب، والشتم في الشوارع على مرأى الجميع، لمن يخالف لو بجزء بسيط من “اللباس الشرعي”، وتقوم دوريات مايسمى”ديوان الحسبة” باعتقالهن.

وتحقق نساء عناصر التنظيم مع المعتقلات بشكل يوصف بـ “الإجرامي”، واستخدام مواد حارقة وآلات من حديد تسمى “العضاضة” وهي أداة مخصّصة للتعذيب في أماكن حساسة، وأشياء أخرى كثيرة لا تذكر.

التنظيم فرض أيضاً عدم تكلم النساء في الشوارع والأسواق، وأصدر قراراً على جميع محلات الألبسة النسائية بمنع وجود أي رجل حتى وإن كان صاحب المحل.

يقول بعض أصحاب المحلات إننا لا نستطيع إعطاء راتب لشخص آخر يعمل بالمحل لأن المردود لا يكفي للعيش، والتنظيم “فرض علينا توظيف نساء في المحل وهذا الأمر أجبرنا أن نغير المصلحة”.

ألغيت جميع أشكال الفرح والعزاء في كل المناطق التي يسيطر عليها التنظيم وأغلب العادات الاجتماعية، وإن أراد الناس فعل أي أمر فعلوه سراً، وإن أراد أحد ما الزواج فيجب عليه مراجعة التنظيم ليعقدوا له عقد القران، والعرس يكون فقط للنساء لا يوجد رجال وممنوع أن يصدروا صوتاً، وإن خالفوا الأمر يسجن العريس ويجلد ويدفع غرامة مالية قدرها عشرة ألآف ليرة سورية.

التنظيم لا يحب سوى الفتيان حيث يحظون بالاهتمام العالي والابتسامة الدائمة، طبعاً التنظيم يفعل كل هذا الأمر لمصلحتهِ، حيث استغل غياب التعليم واستجر الأطفال بهدايا رخيصة الثمن وبعض المال، وقام بتجنيدهم وأخذهم إلى أماكن المعسكرات السرية دون علم ذويهم، وفي حال سؤال الأهل عن الأبناء يقومون بطردهم، وصل بهم الأمر إلى اعتقال من يكثر السؤال عن ولده .

فتح التنظيم المدارس للأطفال وحصر جميع المناهج بسياستهِ، ويقومون بتدريبهم وتعليمهم على “السلاح والقتال” في حين أنهُ يجلب جميع الأطفال إلى أماكن الإعدامات حتى أنهُ أجبر الأطفال على قتل “معتقليهْ” ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي تلك العملية التي قاموا بها في “قلعة الرحبة “.

يجند الأطفال أيضاً كباعة جوالين في الشوارع أو متسولين وهم بالفعل عناصر تابعين “للأمنيين” لإخبارهم عن أسماء المطلوبين والذين يخالفون أوامر التنظيم.

يذكر أن مدينة الميادين تقع شرق سوريا ذات طابع ثقافي واجتماعي، وتقع فيها قلعة الرحبة التي بناها “مالك بن طوق” في عهد الخليفة المأمون في العصر العباسي، وأنها تحررت من قوات النظام السوري في تشرين الثاني 2012 وأصبحت سوقاً تجارياً كما أسموه “السوق السوداء”.

اترك تعليقاً

scroll to top