الهدن المحلية: دروس مستفادة من أجل جنيف ثلاثة

44444

أبرم نظام بشار الأسد اتفاقات مع مناطق متعددة في سورية وسوّقها تحت عنوان: “مُصالحات” وقبلت المناطق تلك هذه الاتفاقات لأسباب إنسانية بحتة غرضها إدخال مساعدات إنسانية ووقف القصف, وقد أنشأ النظام لهذا الغرض مكتباً خاصاً تابعاً للأمن القومي وذلك من أجل خلق “منهج تعامل” مع هذه المناطق, يتمثل بتحصيل مكاسب سياسية عن طريق مقايضة الحقوق الإنسانية لسكان هذه المناطق بمطالب تبدأ من رفع علم النظام على بعض الدوائر (كما حصل في معضمية الشام قبل عامين) أو الدخول إلى الساحات الرئيسية من أجل التصوير (كما حصل في ببيلا قبل قرابة العام ونصف) أو تشكيل حواجز مشتركة في محيط المنطقة (كما حصل في برزة) أو حتى طلبه خروج جميع من في تلك المناطق (كما حصل في حمص القديمة بداية عام2014).

وظّف النظام هذه الاتفاقات على أنها نتيجة حتمية لقدرته في التعامل مع المناطق الثائرة بعيداً عن الضغوط الخارجية ذات المصالح الخاصة في سورية, ليخلق منها رافعة سياسية لإعادة قبوله في المجتمع الدولي المتجه إلى البحث عن شريك للقضاء على الإرهاب المتنامي في المنطقة عموماً وسورية على وجه الخصوص.

دعمت الأمم المتحدة هذه الاتفاقات, وسوّقت مراكز أبحاث عالمية هذه “الهدن” على أنها خطوة أولى لحل المشكلة السورية, وسايرت المعارضة في بعض المناطق المحاصرة الحدث بسبب صعوبة الظروف وحجم الضغوط الإنسانية.

قبل أقل من شهر, أخلَّ الطرف المفاوض من قبل النظام بشروط الاتفاق مع ممثلي الأهالي في حي الوعر, حيث لم يطلق سراح المعتقلين ولم يدخل المواد الإنسانية المطلوبة للحي, ولم يتم إعادة افتتاح المؤسسات الخدمية العامة ضمن الحي, كما لم تتم صيانة معظم المرافق المتفق عليها, وليس هذا فقط بل طلب من المقاتلين الخروج فوراً, مهدداً السكان بالقصف والحصار, ومالبث أن نفذ تهديده -رغم الرقابة الأممية- على الاتفاق, فعاد الحي إلى حالة الحصار الخانق التي كان عليها بعد أن رفض المقاتلين الخروج.

كذلك قام النظام قبل بضعة أشهر بقصف معضمية الشام وإعادتها للحصار مجدداً بعد أن طلب من سكانها منع تسريب المساعدات إلى بلدة داريا القريبة, وعلى الرغم من مرور أكثر من عامين ونصف على اتفاقية برزة في دمشق إلا أن النظام لم ينفذ إلى الآن شروط الاتفاق التي تمت صياغتها في ذلك الحين, ولو بحثنا في بقية الاتفاقات لوجدنا أن النظام لم ينفذ معظم ما تم التعهد به, وأنه أخلَّ بالشروط المتفق عليها بشكل جوهري, وأساسي, فالهدف لدى النظام من هذه الاتفاقات ليس التصالح مع الشعب كما روّج, بل هو مجرد البقاء في الحكم, مستعملاً في سبيل ذلك مقايضة حقوق الناس الطبيعية في دولتهم – كالخبز والماء والطعام -مقابل عدم مطالبتهم برحيل النظام, والقبول باتفاقات جائرة تتعامل من خلالها الأمم المتحدة مع مجرمي حرب مسؤولين عن حصار عشرات الآلاف من البشر, وقصفهم, وقتل أولادهم بزريعة التعامل مع الواقع ومراعاة قضايا تقنية.

لقد ساهمت الهدن المحلية بخفض الأصوات المطالبة بإسقاط النظام فعلاً في تلك المناطق, وتقليل أعداد الأسلحة الموجهة في وجه كتائب النظام وشبيحته والوافدين المقاتلين بجانبهم, مقابل حقوق إنسانية أولية للسوريين داخل بلدهم الذي يسيطر عليه النظام ويتمسك بالتسلط عليه مهما كان الثمن, ورغم استجابة سكان وثوار هذه المناطق الخاضعة للهدن لمطالب النظام إلا أنه لم يفي بتعهداته, بل استخدم سياسته الأمنية معهم دائماً فإما تنفيذ ما يطلب من جديد أو العودة إلى حالة الحصار والقصف, وهكذا حتى يجعل سقف مطالبهم هي استمرار تدفق السلع والمواد الإنسانية اللازمة لحياتهم اليومية, وبعض المواد الطبية في أحسن الظروف والأحوال, فلم يتم فك الحصار عن برزة التي مر على اتفاقها مع النظام أكثر من عامين ونصف, ولم ينجح اتفاق المعضمية والوعر, وتم سجن عدد كبير ممن خرج من حمص القديمة بتسويات أمنية برعاية الأمم المتحدة, دون أن يعود أي من سكان المدينة القديمة رغم مرور عامين كاملين على استلام النظام للمنطقة, كذلك لا يختلف الحال كثيراً في بقية المناطق التي أجريت فيها “هدن محلية” في عموم سورية.

لقد أثبتت هذه الهدن عدة قضايا ونتائج لابد أن توضع دائماً نصب أعيننا, ألا وهي:

1.     إن نظام بشار الأسد مستعد أن يتشارك سورية مع “الهنود الحمر” والأفغان والإيرانيين واللبنانيين والعراقيين وغيرهم لكنه لا يستطيع أن يتشارك الحياة مع أبناء بلده المطالبين بحريتهم وكرامتهم.

2.     عمليات التفاوض التي قام بها النظام, هدفها الأول والأخير الحفاظ على مكتسباته وبقائه في السلطة, وإعادة قبوله من قبل المجتمع الدولي بعيداً عن رغبته “بالتصالح” الحقيقي مع الشعب.

3.     إن قبول هذه المناطق بالاتفاقات المحلية لدواعي إنسانية يؤكد على أن السوريين شعب مسالم, يرى في الحل السلمي طريقاً أساسياً, ويقبل بالحوار, من أجل حل مشكلته وإنقاذ البلاد والشعب.

4.     إن عدم التزام النظام بشروط الاتفاقات في مختلف مناطق الهدن المحلية يؤكد على أن نظام بشار الأسد نظام مخادع, ولم يجري أي تعديلات على عقليته الأمنية القديمة رغم مرور خمس سنوات على مختلف الأحداث التي تعصف بالبلاد.

5.     إن تعامل مؤسسات الأمم المتحدة مع مرتكبي جرائم الحصار كمحافظ حمص ومحافظ ريف دمشق ورؤساء الأفرع الأمنية في مختلف المناطق بحكم الواقع ومن أجل الاسهام في الحل, لا يرفع عن الأمم المتحدة المسؤولية الأخلاقية في توثيق جرائم هؤلاء ومحاسبتهم عليها في أقرب وقت ممكن.

6.     إن المناطق الخاضعة للحصار هي جزء من سورية, ولا بديل عن الحل الشامل لكامل الملف السوري, من خلال إنهاء حالات الحصار, وإخراج المعتقلين, وضمان حقوق الناس في أرضهم بشكل عادل, والتمهيد لمرحلة انتقالية تقود البلاد إلى بر الأمان, وتهدأ النفوس, وتعيد الأمل لسورية والسوريين.

حمص, وليد فارس,28-3-2016

اترك تعليقاً

scroll to top