الهدنة في سورية…خروج من مأزق أم قوة تعيد للثورة روحها  

تقدير موقف 

333

منذ بدء الثورة السورية في ربيع عام 2011، انحازت الإدارة الروسية بإدارة بوتين إلى جانب نظام الأسد، في كل المواقف السياسية والعسكرية، من أبرزها تعطيل مجلس الأمن الدولي من خلال استخدام حق النقض “الفيتو”، وكانت موسكو عرابة نزع سلاح سوريا الكيميائي، مقابل أن يتخلى الرئيس الأمريكي أوباما عن فكرة معاقبة الأسد بسبب تخطيه خطه الأحمر.
ومن الأسباب التي دعت إدارة بوتين التمسك بقرارها الصارم بالوقوف إلى جانب نظام الأسد، لأنها شعرت بخسارة الروس مركز نفوذهم في المغرب العربي وشمال إفريقيا(ليبيا)،  ومع تدهور الوضع العسكري لنظام بشار الأسد، وتراجع ميليشياته في معظم الجبهات وتقدم الثوار السوريين، وعجز إيران وميليشياتها  في تعديل الكفة لصالح نظام الأسد، اضطر كل من نظام الأسد وإيران الاستنجاد بالحليف القوي روسيا من أجل إنقاذهم من المأزق ، فكان التدخل الروسي بداية تشرين الأول عام 2015.

أتى العدوان العسكري الروسي ضمن إطار وحسابات استراتيجية روسية، سعت من خلاله روسيا إلى الاعتراف بدورها  عالمياً، خاصة أن الولايات المتحدة طيلة السنوات الماضية لم تقم بالاعتراف لروسيا بمثل هذا الدور. وسواء فيما يتعلق بنشر الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ في أوروبا، أو في الأزمة الأوكرانية، بدا أن الغرب يزحف بلا هوادة إلى الحدود الروسية، بدون اكتراث يُذكر باحتجاجات موسكو. وما إن أقدمت روسيا على ضم القرم وتشجيع المقاطعات الأوكرانية الشرقية على التمرد، بعد الإطاحة بالنظام الموالي لروسيا في كييف، حتى فرضت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الرئيسية عقوبات اقتصادية ومالية على روسيا، كأنها ليست أكثر من دولة مارقة على النظام الدولي، ورافق ذلك تراجع حادّ في أسعار النفط، ترك أثرًا بالغًا على الاقتصاد والمالية العامة الروسية.
وجد بشار الأسد في الحليف الروسي منقذاً له لتعديل الكفة العسكرية جزئياً لصالحه، وما إن بدأ هذا التدخل حتى اشتكى قادة القوات الروسية من ترهل أداء جيش النظام والميليشيات المساندة له، وهذا ما دفعهم إلى إعادة تنظيم الحملات المتكررة للسيطرة على بعض المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة كما في ريف حمص الشمالي ، وتملك الخوف نفوس مقاتليهم ، وانخفضت روحهم المعنوية خاصة بعد إسقاط طائرة روسية على يد الثوار السوريين وأخرى على يد القوات التركية، من جانب . ومن جانب آخر السعي الحثيث لعملية سياسية أرادت روسيا منذ بدء عدوانها أن تعمل على تحريكها بشكل جدي ، مقابل لا مبالاة أمريكية متعمدة فخاضت في هذا الغمار إلى أن أقنعت واشنطن بالذهاب إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية باعتباره الاختبار الحقيقي الأول للأطراف السورية الراغبة في الخروج من الحرب.

الهدنة من المنظور السياسي :

  • سعت موسكو بالتعاون مع النظام لتكريس كل حيلها وحراكها السياسي على عدم الاعتراف بمقررات مؤتمر الرياض، الذي جمع ولأول مرة المعارضة السياسية والعسكرية على طاولة واحدة في مشهد بات يعرفه القاصي والداني على وحدة الهدف الذي يسعيان إليه ، فكثيراً ما كان يُقال إن ميزة النظام تكمن في مركزيته، وإن هرميته تسمح له بضبط وحداته المقاتلة. في المقابل، كانت التشكيلات العسكرية التي تواجه النظام تبدو كثيرة، وذات ولاءات مختلفة، وليس لها عنوان واحد، ولا يمكن ضبطها. اليوم، نرى أن هذه التشكيلات المتعددة والمشتتة تتصرّف في الهدنة وكأنها جيش خاضع لإرادة واحدة. وبحسب التقارير، تأتي خروق الهدنة، أساساً، من جهة النظام وحلفائه. وبالتالي تكون روسيا اعترفت أمام العالم بمقررات مؤتمر الرياض والهيئة العليا للتفاوض الناجمة عنه كممثل للثورة السورية، وحاضن للجسم السياسي والعسكري، وهذا بحد ذاته دليل تخبط وسياسة عرجاء انتهجتها موسكو بإعلان عدوانها على الشعب السوري .
  • أرادت موسكو من الهدنة التملص من مطالب الثورة السورية بعنوانها الرئيس «خلع نظام الأسد» وتمييع الموضوع من ثورة شعبية إلى محاربة الإرهاب والمتطرفين دون إجراءات ملموسة لدعم المعارضة السورية التي تقاتل تنظيم الدولة بما تمتلك من سلاح ، باعتبار ذلك يُحصن المواجهة مع التنظيمات الجهادية التي صارت الأولوية لمحاربتها في سوريا، بعدما كانت أولوية واشنطن فيما مضى اسقاط النظام السوري، لكنها مع بدء سريان الهدنة ، وجدت نفسها في موقف حرج بأن الغالبية العظمى من الفصائل الثورية تمثل المعارضة المعتدلة التي تسعى جاهدة إلى إحلال السلام وبسط الاستقرار مع الجهود الدولية الجادة في ذلك، الأمر الذي دفعها إلى تفجير ما يمكن تسميته قنبلة تقسيم سورية، وهو أقرب إلى الحلم منه إلى المشروع السياسي و أمر غير مقبول ولا يمكن تحقيقه بوجود الفصائل الثورية ، علماً أنها مهدت له بافتتاح قنصلية للأكراد في موسكو قبل قرابة الشهر. وأنها انتقلت من سياسة الأرض المحروقة إلى التركيز على نقاط استراتيجية كهجماتها الأخيرة على جبل الأكراد بريف اللاذقية و حربنفسه قرب الحولة، بالإضافة للمعبر القديم بدرعا وريف حلب الجنوبي والذي تزامن مع تعتيم إعلامي ، بحسب مدير العلاقات الخارجية السياسية لحركة أحرار الشام الإسلامية “لبيب نحاس”
  •  استعادت الثورة روحها وشعاراتها بعيداً عن أسلمة متطرفة قد اتُهمت بها وبولغ في النفخ فيها، و أن كل ما جرى لم يخمد الشعلة الأولى للثورة، وإن استطاع في المناطق التي تخضع لسيطرته أن يمنع اتّقادها وامتداد لهيبها، بل جند شبابها مرغمين لصالحه. ولا شك أن عودة المظاهرات، وإن كانت تحمل علامات الإرهاق، تشكل رسالةً غير سارة للنظام ورعاته، كما أنها رسالةٌ غير سارة للمنظومة الدولية والإقليمية التي تعاملت مع الثورة السورية منذ البداية  تماماً كما تعامل معها النظام. ولكن، من الزاوية المقابلة، على أنها شرٌّ يجب الخلاص منه.
  • بدأت الخلافات تطفو على السطح أكثر بين إيران وروسيا، وهذا ما عكسه تصريح الرئيس الإيراني بقوله أننا لا نوافق روسيا على كل خططها في سوريا، وبدأت بحشد المزيد من المقاتلين والمرتزقة الطائفيين في سوريا.

الهدنة من المنظور العسكري :

  • إن ضعف النظام بكافة مؤسساته وخاصة العسكرية وعدم قدرته على تسييرها من الناحية الإدارية، دفع حلفاءه بين الحين والآخر لتجاوزه في كثير من القرارات، منها ما حدث مؤخراً حيث أطلقت روسيا مبادرة لأول مرة في القلمون بريف دمشق تدعو للانضمام إلى قواتها العاملة في سوريا مقابل العفو العام، وذكرت “الهيئة العامة لمدينة يبرود” أن روسيا عرضت مصالحة على المقاتلين في ‫‏القلمون بواسطة المدعو “جورج الحسواني” تقوم على عفو كامل عن كافة التهم المُوجَّهة لهم من قِبل نظام ‫‏الأسد شرط انضمامهم للقوات الروسية العاملة في ‫‏سوريا.
  • إن روسيا أمام ورطة وجودها العسكري في سوريا ودورها فيه، خسرت الخيار العسكري، كما أن الطيران الحربي الروسي المتفوق لم يستطع أن يحسم المعركة مع المعارضة السورية، مما نسف ادعاءاته بإنهاء الحرب خلال ثلاثة أشهر .
  • تبلور الجسم العسكري السوري المعارض وكأنه جيش خاضع لإرادة واحدة الأمر الذي يمكن البناء عليه في المحافل الدولية بشكل عام، والدول الداعمة للثورة السورية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وتركيا بشكل خاص.
  • عدم قدرة النظام وحلفائه على تحقيق أي تقدم له معنى رغم استغلاله شماعة التنظيمات الإرهابية ، أو اعتماده على ميليشيات أخرى كما يجري في حلب لأهداف مستقبلية ، (يشار لها في النتائج )

الاحتمالات والنتائج :

1 – تريد السعودية أن تستنفذ إمكانية الحل السلمي، وهي التي أدركت أن التدخل الروسي غيّر قواعد اللعبة، هذه الإرادة السعودية تتضاءل بسرعة في ضوء القرارات السياسية الصادرة عن الخارجية السعودية الذي كان آخرها ما صرح به الجبير بأن على الأسد الرحيل قبل بدء العملية الانتقالية ، وهو ما اعتبره مراقبون ارتفاع في سقف المطالب السعودية لصالح الثورة السورية والمستند على القوة العسكرية .

2 – الاستعداد لعمل عسكري منظم عكسه ما صرحت به وزارة الدفاع التركية: جيشنا في ذروة قوته وجاهز لخوض أي معركة .

3 – إن نرجسية بوتين الذي لا يريد أن يعترف بأخطائه ويكابر، مستعد للذهاب إلى أبعد حد في تطرفه وتعصبه لقراراته غير المبالية بأعداد القتلى والخسائر التي تتكبدها روسيا في كل صعيد من (اقتصاد وعداوات ) ، أو المغامرة في انفجار الوضع الداخلي في روسيا حيث نقلت وكالة الإعلام الروسية عن نائب وزير الدفاع “تاتيانا شيفتسوفا” بأن روسيا خفضت موازنتها العسكرية 5% في 2016.

4 – تشكيل غرف عمليات عسكرية على مستوى الفصائل التي وافقت على تطبيق الهدنة للانطلاق بعمل عسكري منظم ضد النظام وحلفائه ،والتهديد به في حال ناورت روسيا والنظام أو تلكأتا في العملية السياسية .

5- قد يكون أكبر اختبار في حلب ، حيث سمح الطيران الروسي لقوات النظام المدعومة بالحرس الثوري الإيراني وميليشيات شيعية أخرى بالاقتراب من المدينة والعمل على تطويق أكبر المدن السورية وسط إصرار روسي بأن المدافعين عن حلب يخضعون لسيطرة جبهة النصرة. إلا أن مصادر الجيش السوري الحر تقول إن جبهة النصرة لا تملك سوى أقل من 1000 مقاتل في حلب، وهو جزء لا يذكر إذا ما قورن بعدد الجماعات التي تنتمي للمدينة. فمن المتوقع أن النظام وحلفاءه سوف يتبعون أسلوب الحصار والتجويع البطيء لإنهاك المدافعين عن المدينة دون الحاجة إلى خسارة في صفوف رجالهم.
كجزء من خطة عزل حلب، يعتمد النظام على مقاتلي الواي بي جي الأكراد، والضربات الجوية الروسية لقطع طرق الإمداد الشمالية .

خلاصة :

على الرغم من امتعاض الكثيرين من الهدنة وشروطها إلا أنها نجحت بفضل الوعي والنهج الوطني الذي تحلى به الجانب الثوري( السياسي والعسكري ) ، وعكست الرغبة الحقيقية من قبله في إنهاء الصراع والخلاص من أجواء الحرب والدمار ، وهذا ما انعكس أيضاً على الموقف الدولي الذي تجلى بمشاركة وموافقة فرنسا على كل ما تطرحه المملكة العربية السعودية .

مركز أبحاث حركة تحرير حمص

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top