النزوح الكبير- مأساة القريتين



مقالة اليوم ليست ضرباً من عالم الخيال ولا مقامة أدبية ،بل مأساة إنسانية حقيقية ،تضاف إلى مئات المآسي اليومية التي يتحملها الشعب السوري نتيجة قصف طائرات النظام بالبراميل المتفجرة والصواريخ ،إضافة إلى شتى أنواع الأسلحة الثقيلة القرى والمدن السورية المنتفضة ضده منذ نحو خمس سنوات.
أكثر من 60 ساعة مضت منذ انسحبت قوات النظام المجرم تجر أذيال (هزيمتها) من مدينة القريتين البالغ عدد قاطنيها نحو 40 ألف نسمة بين ابن بلد ووافد لها ،ليحكم تنظيم الدولة سيطرته على المدينة مستكملاً بذلك بسط أجنحته على كل البادية السورية من القريتين إلى تدمر شرقا إلى الرقة شمالاً مهدداً بالسيطرة على القلمون الشرقي، وحمص لاحقاً وليسبق كل ذلك من النظام عملية خنق الناس بقطع كل أشكال الخدمات عنهم من كهرباء وماء وخبز واتصالات .
أهالي القريتين الذين يتفاخرون بروعة باديتهم وعشقها واصطيادهم للطائر الحر كانوا سباقين بالتحاقهم بالثورة السورية ،والوقوف في وجه الطغاة رغم وجود عدد كبير من أبنائهم في صفوف جيش النظام ومخابراته قبل انشقاق غالبيتهم .وقد روى أبنائهم بدمائهم الطاهرة أرض سورية جنوبا وشمالا وشرقا وغرباً وتحملوا غارات النظام وقصف قطعانه وشبيحته للمدينة مئات المرات التي خلفت مجازر يندى لها الجبين ،وغصت الشاشات بروعة مظاهراتهم وبطولاتهم ولم يهنوا أو يرضخوا بل دأبوا على دعم خطوط الإمداد من مجاهدين وسلاح إلى جبهات حمص وريف دمشق حتى بات أهلهم اليوم يجوبون البراري بحثاَ عن خيط نجاة.
نحو ثلاثة أيام وآلاف الأبرياء من القريتين والنازحين إليها سابقاً الهاربين من جحيم الموت المحدق بهم خارج نطاق التغطية ،يفترشون العراء ويلتحفون السماء نساء ما بين تدمر وخنيس والصوانة والسخنة والفرقلس ومهين وصولاً إلى الرقة والدانا وحلب، تم التأكد من سلامة وصول عشرات العوائل بينما مازالت قلوب خائفة تنتظر مصيراً مجهولا  لآلاف النازحين من قصف طائرات النظام، وليس الخوف كما تروج بعض قنوات الإعلام من سيطرة “داعش” فقط .
نحو 20 ألف نسمة من سكانها و15 ألف نازح لها سابقاً من مناطق حمص المختلفة شيوخ وأطفال ونساء تائهون في بلادهم يبحثون عن مأوى يقيهم براميل القتلة في مأساة إنسانية تجمع أبناء المهجر بالداخل حتى غصّت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بالسؤال عن العوائل دون جدوى ،وقد أطلق مجموعة من النشطاء في سبيل المساعدة على تنظيم ومتابعة أمور النازحين من أهالي القريتين أو من كان أصلا نازحاً فيها صفحة نازحي القريتين “يارب فرجك“.
النزوح الكبير لأهالي القريتين وحصر توجههم باتجاه الشمال يمثل صورة حقيقية لما يخطط له العالم في بلادنا ،فحماية الأقليات وقتل وتهجير الأكثرية وتدمير ممتلكاتهم أبشع أنواع الاستعمار القادم باسم الدين.
لقد عمد تنظيم الدولة إلى إعلان تحرير القريتين من حثالة المجرم بشار الأسد وشبيحته واحتلالها ضمن ولايته المزعومة ، وقد قام لتأكيد سلطته باعتقال حوالي 200 شخص ثم عاد فأطلق منهم في محاولة لاستقطاب من تبقى من أهل البلد رهينة بين يديه .
لكن هيهات ، فمدينة القريتين درة بادية الشام وحاضنة الثورة التي امتد تاريخها لآلاف السنين لم تكن صاغرة ولا مطية ﻻ للنظام المجرم ولا لسواه.
ومهما طغى الظلم فلا بد أن يحق الحق ولو بعد حين .
الصحافي: مصعب السعود

اترك تعليقاً

scroll to top