المجلس العسكري المفقود

حركة تحرير الوطن – العميد مالك كردي

ما إن خرج إلينا المعارض كمال اللبواني بصوتياته المعهودة، متحدثا في إحداها عن حل بات قريبا يتلخص في مجلس عسكري يقوده العميد مناف طلاس نجل وزير الدفاع الأسبق، حتى تداعى السياسيون والضباط إلى تشكيل مجالس انفرادية زادت عن ستة مجالس، كل منها يدعو إلى فكرة تتمحور حول “المجلس العسكري”، بين داعم “للعميد مناف طلاس” وبين رافض ومشدّد على التراتبية العسكرية التي تتيح له فرصة شخصية، دون استناد إلى قواعد تشكيل المجلس وأساسياته والظروف الواقعية لتشكيله، ومواءمتها مع القرارات الدولية الصادرة، و برزت أنانية وشخصنة وانفصام عن الواقع بشكل كبير تُبرز حجما من التباينات ورفضا لتقبل الرأي الآخر، فيما آخرون من ضباط وممن نصّبوا أنفسهم إعلاميين انقسموا، فمنهم من راح يمجّد ويهلّل ويصنع من العميد مناف مٌخلّصا وينزهه عن كل نقيصة، وآخرون “ممن اعتادوا على فهم ضيّق لمعنى الرأي الآخر على أنه التخوين والطعن وكيل الشتائم” راحوا ينبشون في الماضي ويلصقون بالرجل كل طامات وأخطاء والده، ويطعنون حتى بالضباط المنشقين، ويشكّكون بمواقفهم، ويلصقون بهم التهم، متناسين أن كل ما يكتبوه هو موضع رقابة دقيقة يستثمرها أعداء الثورة، فيما فكرة “المجلس العسكري” التي أفاد لاحقا اللبواني بأنها كذبة من كذباته العديدة،  رفضها آخرون بالمطلق، لأنهم وجدوا فيها تجسيدا للماضي واستعادة للحكم العسكري الذي تسلّط على رقاب الشعب السوري منذ منتصف القرن الماضي وأذاقه الويلات، وما نظام الأسدين الأب والابن إلا استمرارا له، والثورة ما خرجت إلا للقضاء على هذا الوباء.

القرار الدولي 2254 يتضمن (حكما ذا مصداقية، ولا يقوم على الطائفية)، وقد أجمعت غالبية المعارضة وقوى الثورة على فهمه أنه المناصفة بينها وبين نظام الأسد، وتباينت التفسيرات أيضا في مضمونها، ولكنها أجمعت على أن شكلا للمضي بالمرحلة الانتقالية ينبغي أن يتم بالتوافق بين جميع الأطراف، وقد يكون لهذا الشكل هيئة انتقالية من مجموعة من السياسيين ينقلون البلد إلى مرحلة جديدة من تاريخ سوريا نحو الديمقراطية، ولكن ذلك يحتاج إلى ضبط للقوى العسكرية المتصارعة وإعادتها إلى طاعة قيادة عسكرية افتقدوها خلال عقد من عمر الثورة، وهنا تبرز لدينا المشاكل الكبيرة في تفاصيلها، ويتبادر إلى أذهاننا كيف للقيادة السياسية أن تتشكل في مثل هذه الظروف ويأمن الطرف المعارض على حياته من تشاركية في هيئة الحكم، ومن الذي سيحميه، سيما أن نظام الأسد غارق في الجرائم والاغتيالات ولديه من الفرق المتخصصة ما يقوم بمهمته في أسوأ صورة، عدا عن أن مصلحة الوجود الإيراني الذي تغلغل في جميع بنى الدولة وخاصة العسكرية، تقتضي عدم استقرار سوريا ودفعها إلى استمرارية الصراع، ويشاركه في ذلك عدد من القادة العسكريين المتنفّذين، وحتى كثير من الطبقة السياسية المنتفعة المحيطة بآل الأسد.

هنا تبرز فكرة شكل الحكم بأن يكون عسكريا صرفا في المرحلة الانتقالية، ولكن حتى هذه الفكرة المطروقة فإنها صعبة التطبيق لبدء انطلاقتها، فذهب الروس إلى رسم لوحة وردية، بأن يبدأ فيها التطبيق انطلاقا من قاعدة حميميم، وكان هذا الرأي عام 2015م، وأذكر أن مجموعة من إخوتنا الضباط المعتبرين أنفسهم على خط “العميد مناف طلاس” عرضوا عليّ وقتها الفكرة، وكان موقفي واضحا، وهو أننا نحتاج إلى “مجموعة توافق” ويمكن أن يكون العميد مناف قطبها، ولكن أن تنطلق بهذه الصورة المبسّطة من حميميم فهذا أمر غير مقبول، كما أن عبارة ترددت في كلامهم وكتاباتهم بأن “المجموعة التي سيتم اختيارها (ممن لم تتلوث أيديهم بدماء السوريين) أو (الذين قتلوا يجب استبعادهم)”، جعلتني أرى في ذلك لعبا على الألفاظ اعتقدت أن الروس وراءه، ومجرد موافقتنا عليه سيجدون له تفسيرا يدينون فيه جميع من شارك في قيادة الثورة سياسيا وإعلاميا وعسكريا، لذلك رفضت الفكرة في جزئياتها التنفيذية، حيث لم أختلف على أصل فكرة المجلس، ولكن أن تُطلق الفكرة عامة دون التوقف عند الأسماء، وأدى ذلك إلى فتور بالعلاقات مع أصدقائي الذين مضوا في تبعيتهم واختاروا الترويج للفكرة والتهليل للعميد مناف مخلّصا، وأن هناك أيام قليلا تفصلنا عن بدء التطبيق والتي انتظرناها سنوات وما زلنا ننتظر ولادتها.

فكرة المجلس العسكري لم تكن جديدة، فهي تقوم على توزيع الصلاحيات في القيادة العسكرية على إدارات وتشكيلات الجيش، واتخاذ القرارات الموحدة من قبل أعضاء المجلس وفق طريقة تصويت يتم التوافق عليها، وبذلك تصبح القرارات المتخذة ملزمة للجميع، ويسهر على تنفيذها رئيس المجلس عبر أعضاء المجلس، وهي صيغة معمول بها داخل الجيش منذ زمن باسم “مجلس الدفاع العسكري”، وكل عضو من أعضائه هو بالأصل مناط به منصب أو مهمة وظيفية، ولكن في الظروف التي تعيش بها البلاد إبان تفجّر الثورة فإن المجلس غالبا يأخذ وظائف أخرى سياسية، لأنه لا يمكن فك عرى السياسة والعسكرة في مثل هذه الأحوال، وهي إحدى أهم أخطاء الثورة التي قادتنا إلى ما وصلنا إليه.

كانت أول فكرة لإنشاء مجلس عسكري في الثورة هو المجلس الذي تشكل في منتصف تشرين الثاني من العام 2011م، ولكن لم يستطع هذا المجلس القيام بوظائفه المعلنة لأسباب كثيرة سأفرد لها مقالا في وقت آخر، وتتالى تشكيل المجالس العسكرية والثورية في المحافظات، ثم أُعلن تشكيل “المجلس العسكري الأعلى” من قبل “العميد مصطفى الشيخ”، ثم مرورا بمجالس كثيرة كان آخرها ما عُرف “بمجلس الثلاثين”، ولكن جميعها لم ترقى لأن تكون “مجالسا عسكرية”، وكانت فكرة الإقصاء دائما مهيمنة.

وصلت الحالة السورية إلى طريق مسدود، ولم يعد بإمكان قوى الثورة التقدم لاستعادة أراض خسرتها، كما أن جميع القوى بالشمال السوري محكومة بتشاركية القرار مع الإرادة التركية، والتي بديهيا أنها تأخذ بالاعتبار مصالحها وأمنها القومي، وفي ذلك يأتي بعضها متناقضا مع بعض أفكار الثورة عسكريا، في حين أن طرف نظام الأسد بات أيضا هو رهن الإرادات الإيرانية والروسية تحت وابل القصف الإسرائيلي المتجدد، ووقع العقوبات الاقتصادية التي أرهقت كاهل الشعب، وفقدانه أكثر من ثلثي أراضي سوريا، والتي بات أمل استعادته لها منعدم في ظل الظروف الحالية، وتبدو الخيارات أمامه محدودة، ليلعب على عامل الزمن وخلافات جميع الأطراف المتدخلة، وهذا يحتاج زمنا طويلا، وبالتالي فإن حاضنته تزداد إرهاقا وكفرا بنظام ساندته ودفعت الكثير من أبنائها لإبقائه.

خيار آخر يتهدد جميع السوريين، وهو انفصال سوريا لدويلات، ولن يكون في مصلحتهم، ووحدها الفصائل الكردية الغير سورية الانتماء وبعض سياسييهم يمكنهم الاستفادة من مثل هذا الوضع، إضافة لبعض الأذيال المعشّقة بالمحتل الإيراني.

ويبقى خيار الحل السياسي حلما لأغلب السوريين ومتناغما مع القرارات الدولية، وهذا لا يمكن أن يتم في ظل النظام الحالي، ولابد من إزاحته وفسح المجال لنظام جديد يأخذ بيد السوريين جميعا والقفز قليلا فوق آلام الحاضر، وهذا لا يأتي إلا ضمن توافقات وتضحيات من الجميع، وعبر مرحلة انتقالية يمكن أن تأخذ شكل حكم انتقالي من سياسيين وحقوقيين وإعلاميين.. ولكن حكما سيكون بوجود مجلس عسكري مفوّض يُتفق عليه يقوم بتنفيذ مهامه، أو يكون خيار المجلس العسكري خيارا “استثنائيا” -بالتوافق كذلك- يقود البلاد كاملة إلى حين انتهاء الفترة المحددة.

في الحالتين فإن للمجلس العسكري شروط لنجاحه، وهو أن يأتي متوافقا من كافة الأطراف، ومن ضباط لم يشار إليهم أنهم وراء جرائم حرب مرتكبة، وأن مشاركتهم في الأعمال القتالية -وفق ضوابطها القانونية- لا يُضفي عليهم صفة “مرتكبي جرائم الحرب” إلا من ثبت قيامه منهم بعكس ذلك. كما أن من شروط نجاحه اختيار الضباط المؤثرين الذين لهم احترام في بيئاتهم، والمتمتّعين بسيرة أخلاقية جيدة،  ونظافة كف، وخبرات عسكرية عامة وتخصصية، ويمتلكون القدرة على القفز فوق الطائفية والمناطقية وأية انحيازات فئوية، وهذه شروط يمكن أن تتحقق نسبيا، ولكن يبقى شرط أساسي، هو “قدرة السيطرة على التشكيلات العسكرية وسحب السلاح”، فهو أمر من الصعب تحقيقه في الظرف الحالي، ولابد من قرارات ومساعدة دولية لتنفيذ ذلك، فلدى نظام الأسد الكثير من الميليشيات التي فقد السيطرة عليها وهي في أحضان الإيرانيين أو أحضان الروس وباتت أقوى من جيشه بكثير، ولكن يمكن نقلها لجيش الدولة السورية تدريجيا، فثمة نواة أساسية ما زالت موجودة يمكن دحرجتها لتكبر، والمشكلة الأسهل حلا تكمن في جانب الثورة، والتي يوجد فيها سيطرة نسبية متفاوتة للضباط، ووجود تركيا كجهة دولية وحيدة داعمة لها يجعلها قادرة على إنهاء الحالة الفصائلية واستعادة التنظيم وإعطاء الدور الواجب المناط بالضباط، وإن لم يحدث ذلك فمن المحال نقل هذه القوى إلى مرحلة الاندماج، ومعها يستحيل تشكيل مجلس عسكري من ضباط ليس لديهم أية سلطة على تشكيلات ووحدات يقودونها.

المناطق التي تحت سيطرة ميليشيا قسد الإرهابية كذلك هي مناطق تسيطر عليها الفصائلية، ولا ننكر وجود حالة تنظيمية فيها، ولكن لا يوجد على رأسها أي من الضباط المنشقين، بل قادة مستوردين من جبال قنديل، ويتطلب الأمر إطلاق سراح الضباط الأكراد من سجون قسد، وجعلهم على رأس القوى الكردية الوطنية، ليشاركوا كسوريين في عملية الانتقال.

عشر سنوات تحرّك فيها الزمن، ولكن الضباط المنشقين توقف عندهم الزمن ولابد من تحريكه، بإجراء الترقيات المستحقة خلال الفترة الماضية وفق الشروط المماثلة في حدها الأدنى والمقبولة لمن هم من أبناء دوراتهم في الجيش، وأقصد الذين هم خارج ملاك الجيش الوطني السوري، وإحالة من شكلت إصاباتهم عائقا صحيا وتجاوز بهم السن إلى المعاش وفقا للقوانين المعمول بها، وفسح المجال لجيل من القيادات التي يمكنها التحرك وتغيير الواقع إيجابيا.

وفي العودة للحديث عما تسرب وأشيع حول “المجلس العسكري” فإنه يبقى في إطار الشائعات والأحلام واختبارات جس النبض، وإذ نرى في العميد مناف أحد الضباط الذين يمكن أن يكونوا رجال توافق بنسبة معينة، ولكن بالتأكيد فإن هناك الكثيرون وخاصة بين الضباط المنشقين الذين بحكم الواقع لم يرتكبوا جرائم حرب، لأن أهدافهم كانت الثورة على نظام أجرم بحق شعبه على مدى أكثر من نصف قرن، وأن معظمهم رفض العمل مع الحالة الفصائلية التي فرضتها الأجندة الدولية على الثورة، كما أنه لم يملك أحد منهم الأسلحة التي لدى الأسد ليمارس بها أي نوع من جرائم الحرب، وأرى أن جميع هؤلاء الضباط يجب أن يُنظر إليهم على أنهم الركيزة الأساسية في بناء جيش الدولة السورية.

إن ما يُطرح حاليا من مجلس عسكري يُستبعد فيه الآخرون هو أمر مرفوض، وما تم نشره في مجلة الشرق الأوسط حول سيناريو أراه مفترضا هو مرفوض بالمطلق، فلا يمكن أن يقبل أحد بمجلس عسكري يقوده بشار الأسد، بل شرط رحيله هو أساس بدء العمل، وإن ما تم نقله عن مدعي المعارضة “ياسر بدوي” في دعوته لمجلس عسكري (يتم بالتوافق بين الأطراف الفاعلة في سوريا، وعلى رأسها الاتحاد الروسي، يضم الضباط القائمين على عملهم والضباط المنشقين الذين لم يشتركوا في عمليات القتل..) يعطي القاتل براءة من جرائمه، ويضفي على المنشقين جريمة القتل، وهذا ما نرفضه بالمطلق مع كل ذي عقل، وأرى أن أي مجلس عسكري يجب أن يتشكل من جميع ضباط القوى التي تتوفر فيهم الصفات اللازمة، وممن لم يشاركوا في جرائم حرب من جميع الأطراف وفقا لتصنيف القوانين الدولية، وأي مجلس سياسي يتغافل عن وجود أي مجموعة سياسية على الساحة السورية فهو أمر مرفوض أيضا، لأن التجاهل سيقود إلى مزيد من الصراع وليس إلى الحل، وإن سباحة البعض في ظلمة بحر أحقاد الخلافات سيقود سورية للعودة إلى الطابق السالب في سلم التحوّل.

scroll to top