المجلس الإسلامي السوري ووثيقته .. عودة إلى الطريق الصحيح

 

انتفض المارد السوري معلناً ثورة الحرية والعدالة والكرامة في آذار من العام 2011، بعدما استفحل الظلم والبطش من قبل نظام قمعي بوليسي مجرم ممتد إلى أربعة عقود على شعب عشق الحياة، وتطلع للمستقبل، وسبق أن قدم أجداده للبشرية، أولى لبنات الحضارة ومعنى الإنسانية والتعايش المشترك.

هتف المارد بعفوية على امتداد الوطن ” الموت ولا المذلة .. الشعب يريد إسقاط النظام .. واحد واحد واحد الشعب السوري واحد” شعارات ترسم المبادئ الأساسية التي نادت بها الثورة، ومضت السنوات عجافاً على المواطنين الأبرياء، ونعترف أننا فشلنا في انتخاب قادةٍ للحراك الثوري السلمي ثم العسكري، رغم التفاف الشارع حول بعض الرموز الوطنية الصادقة التي استُهدفت أما بالاغتيال أو الفقد والإعتقال من قبل أجهزة نظام التوحش، إذ ما زالت صورة المقدم (حسين الهرموش) نقية في قلب كل ثائر حر نادى بالحرية ووقف مع الحق وكذلك (أبي فرات وحاج مارع) وغيرهم كثر.

بدأت التشكيلات الثورية بمسمى التنسيقيات لتنظيم التغطية والحراك الثوري، ونقل ما يجري خارج بؤرة أبواق السلطة، ولم تنته عند مُسمي (منصات) إعلامية وسياسية في أحد فنادق إسطنبول قبل أيام، دعمنا تشكيل قيادة سياسية تحت مسمى مجلس وطني ومن بعد ائتلاف، فتسابقت طغمة الفساد المنبثقة عن النظام القاتل بغية تحقيق مصالحها ومكاسب وهمية تحت مسمى (الانشقاق أو المعارضة) لنسف العمل ووحدة الصف وكل جميل نادت به الثورة، وشكلت عشرات بل ربما مئات من الأحزاب والكتل والأحلاف معلنة تمثيل الشعب وهو منهم براء، مستحوذة بذلك على دعم مالي كبير مقدم باسم الثورة من منظمات وحكومات ومكاتب مخابرات لتضع في جيوبهم أموال كانت كفيلة بتخفيف الألم الذي أوصل أهلنا إلى خوض بحر اللجوء.

تعلّقنا ومازلنا حتى الساعة بمشروع وفكر الجيش الحر، بينما دفع العالم إلى تشكيل الكتائب المستقلة والقادة المستقلين وأمراء الحرب وغرف العمليات الدولية لنتوه في تسميات ورؤى مختلفة تروج لما يناسبها لا ما يناسب الشعب الثائر، ولتكون شماعة مهترئة يعلق عليها العالم عدم رغبته في حل المأساة وما يطرحه من شراكة مع القاتل، ليتجرأ في خضم ذلك التآمر الدولي متهور أحمق قبل أكثر من عامين بنسف (هيئة أركان الجيش الحر) التي شكلت مع جبهاتها على رغم ضعفها وعدم وجود الدعم والتمويل لها آنذاك نواة لجيش وطني حر، لتغدو تصريحات الروس والأميركيين وحتى الأوروبيين اليوم تسبح حول مقولة :”ليس هناك بديل للنظام لذلك علينا الحفاظ على جيش القتلة” نعم لقد نسفنا أولى خطوات الوحدة العسكرية الحقيقية وهرم المؤسسة الوليدة، ودون أن ندري قدمنا للنظام وجيشه القاتل خدمة العمر إذ بات جزءا من الحل السياسي المنشود، لتبدأ بعد ذلك عمليات التخوين في صفحات التواصل الاجتماعي لكل من خالف رأي أحدنا متناسين معنى الحرية الحقيقية التي نادت بها ثورتنا.

إن مرور الأعوام، وتزايد الألم، وتسلط المتسلقين على الثورة، والتحزب للأحلاف الإقليمية والدولية، واتساع دائرة العمالة المخابراتية ضمن أعلى المستويات (الثورية) وأدناها رغم وجود الوطنيين الذين يجتهدون لتوحيد الصف والعمل من خلال إيمانهم بالثورة وحق الشعب وسوريا الوطن الأوحد واقتناعهم أن تأخر النصر سببه الفرقة، خلق هوة واسعة بين المأمول والممكن في هذا الوقت الذي يستمر فيه فيضان اللجوء السوري باجتياح دول الجوار وأوروبا منذراً بكارثة بشرية مستقبلية على ديموغرافية الدولة السورية، مع وصول جحافل الجيش الأحمر للحفاظ على مصالحهم ونظامهم البوليسي الأسدي.

كل ذلك خلق تساؤلات حقيقية هل نحن بحاجة لثورة على الثورة لننتصر..؟

هل نحن قادرون على النهوض وإعادة الروح في الثورة التي كفر بها الناس نتيجة قتل أبنائهم وتشردهم وذهاب ودمار ممتلكاتهم وضياع ما تبق من كرامتهم في مخيمات اللجوء أو مراكز اعتقال المهاجرين إلى أوروبا..؟

هل نحن قادرون على مجابهة الدب الروسي إذا ما قرر الانضمام إلى كل المرتزقة المدافعة عن القتلة..؟

هل نملك رؤية واضحة لما طلبه الشعب الثائر وهل يلتزم الجميع بذلك كعهد وميثاق شرف..؟

هل نملك تصورا حقيقيا للمستقبل اليوم..؟

 من يضمن أن لا يتقاتل الجميع على المناصب إذا ما سقط النظام فجأة ..؟

 من هي الجهة التي تمثل الثورة ..؟ هل الائتلاف سقط أم يُعمل على اسقاطه تدريجياً برغبة دولية..؟ وهل..؟ وهل..؟

 تساؤلات لا حصر لها اليوم في عين وقلب كل سوري ولا إجابة مقنعة لدى أحد فالعصا السحرية مفقودة مذ فقدنا المخلصين، ومذ تركنا المحسوبيات الدولية تتغلغل في أجسام مؤسسات الثورة لضمان مصلحة الأقليات ونسف مصلحة الأكثرية، وهذا باد للعيان وليس تجني من قبلنا، لقد استبعدت الأكثرية الساحقة المغتصبة عن مؤسسات العمل الثوري لأن الداعم أراد مصلحة الأقليات.

إن الهوة الكبيرة والتباين في الفكر الثوري بين المنظّرين والعاملين في المؤسسات السياسية والإغاثية والإعلامية وبين المقاتلين في الميدان والتخوين الهمجي القائم في الثورة دفع البعض بقصد أو عن غير قصد إلى نسف الكثير من رموزنا وأهدافنا ومبادئنا التي ضحى لأجلها خيرة الشباب بأرواحهم، بينما استغل آخرون الظروف القائمة والتخبط الدولي فروجوا لتغيير القيم والمبادئ، ونادوا بالقومية والطائفية وغلّبوا المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، وبات الانتفاع من الثورة والمتاجرة بدماء الشهداء والمعتقلين والمفقودين واللاجئين سمة للمتسلقين، وبات أي تقدم أو تحرك ميداني على الأرض مرهون بسياسة الأحلاف القائمة دون القدرة على الخروج من تحت عباءة الداعم.

 اليوم نرى في الأفق بصيص أمل ومحاولة لإعادة بث الروح من جديد في الثورة بالاعتماد على الذات رغم حالة الاكتئاب التي سيطرت على السوريين خلال الأعوام الماضية، صمود الأبطال في الزبداني يذكرنا بأبطال (العدية) وبطولاتهم الأسطورية رغم كل الإجرام الذي استخدم ضدهم بما في ذلك السلاح الكيماوي، لقد هزّوا وجدان العالم العربي والإسلامي وحركوا وقتها الرأي العام الدولي وكذلك تعاد الروح في الزبداني، كما أن تحرك  جيش الإسلام في غوطتي دمشق وتقدم جيش الفتح مع فصائل الجبهة الإسلامية في إدلب، ودك قريتي الفوعة وكفريا بمئات القذائف وعشرات الصواريخ وعدد من الانغماسين تضخ الدم في القلب الثوري من جديد ،وتبعث الأمل بالحرية. ولتأكيد المصلحة العامة وتصويب المسار قدم المجلس الإسلامي السوري وثيقة المبادئ الخمسة المتضمنة (إسقاط بشار الأسد وأركانه وتفكيك أجهزة القمع وخروج كافة القوى الأجنبية، والحفاظ على وحدة سوريا وهويتها، ورفض المحاصصة بأنواعها) وكأن اليوم الأمس الجميل فالشعارات التي صدحت بها حناجر الأحرار والحرائر في مظاهرات الحرية تعود للواجهة بميثاق مبادئ وقعه أبرز الفصائل والقوى العسكرية والسياسية والشخصيات الفاعلة ما يؤشر أننا ثُرنا على الذات ،وقدمنا مصلحة الشعب وبدأنا نوحد العمل العسكري لنقطف ثمار المستقبل.

على درب الحرية نستذكر الصادقين الذين ضحوا لأجل الوطن بأرواحهم وقدموا أسمى صور الشجاعة والتضحية وأروع معاني الإنسانية التحفوا السماء وافترشوا ساحات النضال وأيديهم على الزناد لا تنام.

الصحافي: مصعب السعود

 

اترك تعليقاً

scroll to top