القائد والبنية التحتية لاتخاذ القرار

رؤية للباحث وليد فارس

كانت معلمة التاريخ في المرحلة الإعدادية تُلخص لنا أبرز القضايا الحاصلة في أدوار الضعف والقوة للدول التي شكلت واقعنا الراهن, وكان الضوء يتركز على أبرز القضايا السياسية, والملوك الذين حكموا فترةً زمنيةً معينةً, وانجازاتهم, ومألات ذلك الحكم.

وللسنوات اللاحقة -لتلك المرحلة- كنت مقتنعاً تماماً بأن شخصيات مثل “مروان بن محمد” هي السبب الأساسي في إضعاف أي دولة قوية, فقد كان أخر الخلفاء الأمويين, و انتهى نفوذ بني أُمية في عهده, مما يدلل على شخصيته الضعيفة و أسلوبه السيئ في إدارة الحكم.

و بعد فترة عرفت أن “مروان بن محمد” كان شخصية إدارية مميزة, ورجل عسكري فريد لم يخسر معركة أبداً قبل توليه الحكم, حيث كان قائداً فذاً وصبوراً في الحرب, وأنه أدار إمارته -قبل توليه الحكم- بكفاءةٍ عاليةٍ وانجازاتٍ تحسب له, و أن مسألة سقوط الدولة الأموية كانت أبعد بكثير من شخص الحاكم نفسه, بل ربما لو أن معاوية بن أبي سفيان (مؤسس الدولة) عاد إلى الحكم بدل مروان بن محمد لسقطت الدولة أيضاً دون أن تتأخر ليومٍ واحدٍ.

قد يكون أسلوب رواية التاريخ الذي شكل جزء من ثقافتنا, جعلنا نتمسك كثيراً بالبحث عن أبطال ومخلّصين وملهمين ينقذون شعوبنا مما هي فيه, مُتكلين عليهم بالكلية, حالُنا الانتظار للالتحاق بهم عند ظهورهم, دون أي تفكير أن هؤلاء الأبطال يجب أن يخرجوا من الشعب نفسه, وحتى لو وجد من يملك صفاتِ القيادة المثالية فإنه لن يستطيع تقديم الكثير دون مراكز إحصاء ومعلومات, ودون شبكةٍ من المعلمين المؤهلين, والاقتصاديين الجيدين, والأطباء المتخصصين وغيرهم من أصحاب الكفاءات التي تهيئ له بنيةً تحتيةً لاتخاذ وتنفيذ قراراته.

البطل هو أحد أفراد الشعب ويخرج من بين صفوفه, هو بطلٌ في تلك الجزئية التي تتعلق بالقيادة و حسن التدبير, و في نفس الزمان هناك مئات الآلاف من الأبطال في مجال العلوم والفنون و الرياضة و المعلوماتية و الهندسة, و البحث العلمي, و سواها من المجالات اللازمة للتقدم بالأمة نحو ما تطمح إليه, و لو فقدت البنية التحتية لهذه البطولة لفشل معظم أبطالنا التاريخين في تحقيق أي إنجاز.

لا أعتقد أن التاريخ وحده يتحمل الموروث الثقافي في ثقافة شعوبنا التي تنتظر من يخلصها من همومها ومآسيها, و يحقق حلم الوحدة والتحرر من الطغاة, و بعيداً عن الغوص في تفاصيل الأسباب, يجب التأكيد على أن صورة البطل المرسومة في عقولنا ألغت جميع الصور المرافقة لها والتي جعلتها على ماهي عليه من البطولة, الأمر يشبه لوحة فنية عظيمة نبدأ بامتداحها دون أن نذكر الفنان الذي أبدعها, الأبطال هم لوحات فنية عظيمة بكل تأكيد لكن هناك من يقف قربهم في نفس الصف, هناك فريق يحيط بهم, وبيئة تحتضنهم وتتفاعل ويتفاعلون معها, والأمر الخاطئ الذي يجب أن ندفنه في ثقافتنا- أو نخفف منه على الأقل- هو أن توجد الصورة من تلقاء نفسها…هكذا بدون رسام!.

و علينا أن نعي أنه: فقط عندما يكون البطل قطرة -من ملايين القطرات المتماسكة- في بحرٍ واسع من الأبطال يحاول دفع أمواجه نحو الشاطئ, عندئذ نستطيع تشكيل موجات قوية ومتتابعة تحقق لنا ما نصبوا إليه من التطور والتقدم والبناء, فالبطل في الهندسة والبطل في الطب والبطل في التعليم والبطل في اتقان حرفته والبطل في الجندية كل هؤلاء يؤمرون عليهم بطل أخر في القيادة ليحققوا أهداف الأمة والمجتمع.

حمص, وليد فارس

اترك تعليقاً

scroll to top