العقم السياسي في خطط ديمستورا

في الرابع عشر من شهر شباط من العام الجاري أصدرت حركة تحرير حمص بيانا بعنوان “ورقة التوت ” ألقت فيه الضوء على عدم حيادية المبعوث الأممي إلى سوريا ديمستورا وهذا نصه :

بعد مُضي أربع سنوات على الثورة السورية المباركة وتورط الأسد بجرائم حرب وجرائم إبادة جماعية ،ما زالت الأمم المتحدة تكتفي بالقلق ، مما جعل الشعب السوري يفقد ثقته بقدرة مبعوثيها على أن يكون لهم دور فاعل في إيقاف جرائم يندى لها جبين الإنسانية ، وعلى الرغم من ذلك علقت جهات سورية مخدوعة بعض الآمال للخروج من النفق المظلم عبر مبادرة المبعوث الأممي ديمستورا، إلا أن المبعوث الدولي كثف اجتماعاته مع الأسد خلال الأسبوع الماضي ،واحتفل معه بطريقة استفزازية لا تتناسب مع طبيعة المهمة الدبلوماسية الحساسة الموكلة إليه ليُصرح بعدها أن :
 ( الرئيس الأسد جزء من الحل وسأواصل اجراء مناقشات مهمة معه )
حركة تحرير حمص كغالب القوى العسكرية العاملة على الأراضي السورية تقول للسيد ديمستورا لقد أصبحت جزء من المشكلة ، وتجربة مدينة حمص التي تضرب بها مثالا للحل في حلب لم تكن حلا بل كانت دليلا دامغا على عجز الأمم المتحدة في إدخال الطعام إلى القسم المحاصر من المدينة آنذاك بالرغم من وجود قرار أممي بذلك .

واليوم إذ نذكر به فقط لقراءة خطة المبعوث الدولي الأخيرة للحل في سوريا في ضوئه، حيث قدم وثيقة خارطة طريق لتنفيذ  بيان جنيف على ثلاث مراحل، وهي مرحلة تفاوض، والمرحلة الإنتقالية، والدولة السورية النهائية، وتتضمن إنشاء هيئة انتقالية تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة عدا «الصلاحيات البروتوكولية»، وتشكيل «مجلس عسكري مشترك» ينسق عمل الفصائل المسلحة من قوات نظامية، وفصائل معارضة، ويشرف على إصلاح أجهزة الأمن، إضافة إلى مؤتمر وطني وصولًا إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية بـ«رعاية» الأمم المتحدة.

وتستند المرحلة الأولى إلى بيان جنيف للوصول إلى اتفاق مرحلي، يتضمن وقفًا دائمًا لإطلاق النار، وتعاون القوات المقاتلة عدا الفصائل الإرهابية، وإصلاح القطاع الأمني وصولًا إلى تشكيل سلطات انتقالية.

والمرحلة الثانية هي المرحلة الانتقالية، ويتم فيها إنشاء هيئة حاكمة انتقالية بسلطة مطلقة في جميع الشؤون العسكرية والأمنية، وتشرف على المجلس العسكري المشترك، مع إعطاء بشار الأسد الصلاحيات البروتوكولية .

وقالت الوثيقة : «منذ لحظة إنشاء الهيئة الحاكمة الانتقالية، ستتمتع بسلطة مطلقة في جميع الشؤون العسكرية والأمنية وستكون بمثابة منصة مستعمَلة لقيادة جميع العمليات العسكرية التي تُقدِم عليها الأطراف، وتضمن احترام وقف إطلاق النار، والمحاربة المشتركة للتنظيمات الإرهابية واستعادة وحدة أراضي البلاد.

والتزمت الوثيقة بـالحفاظ على المؤسسات الرسمية وإصلاحها، على أن يشمل ذلك الجيش، وقطاع الأمن الأوسع نطاقًا، والقطاع القضائي ، مع رفض أي اجتثاث لحزب البعث .

وتشير الوثيقة إلى اتفاق الطرفين على قائمة من 120 مسؤولًا لن يتسلموا أي منصب رسمي خلال المرحلة الانتقالية، بسبب الدور الذي أدوه في الصراع، كما سيتم إلغاء مؤسسات استخباراتية محددة.

أما المرحلة الأخيرة بحسب الوثيقة فهي مرحلة الدولة السورية في شكلها النهائي، حيث تؤدي المرحلة الانتقالية إلى الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية برعاية الأمم المتحدة.

يبدو أن الوسطاء الدوليين المعنيين بسورية، وفي مقدمهم دي ميستورا الذي وضع صيغة مثالية للتسوية كما يراها  يتجاهل في سلوكه عن عمد جوهر الصراع في سوريا على أنه ثورة شعب مضطهد في وجه نظام مستبد قهر شعبه وقتل منه مئات الألوف، وهجّر الملايين، ودمر أغلب المدن والبلدات في سوريا، مستخدماً مختلف صنوف الأسلحة بما فيها السلاح الكيماوي، ومستفيداً من الدعم العسكري والسياسي الذي قدمه حلفاؤه الروس والإيرانيون وغيرهم، وغض الطرف الذي مارسته الولايات المتحدة وأصدقاء الشعب السوري والمنظمات الدولية ممثلة بمجلس الأمن الذي شلّ عمله الفيتو الروسي والصيني . ويتجاهل  إرهاب النظام، الذي لم يسبق لنظام في تاريخ البشرية أن مارسه بحق شعبه، كما يتجاهل، ولأسباب غير مفهومة، الإرهاب الذي تمارسه إيران وميليشياتها الطائفية من العراق، وأفغانستان، وحزب الله  اللبناني، بحق المدنيين السوريين العزل .

كما يتجاهل هو والعالم بأسره ما يعرفونه تماماً من أن الأسد ورجاله لن يدخلوا في أي حل لا يضمن استمرار حكمهم وبقاء نفوذهم ومصالحهم، ليس فقط لأنهم لا يزالون قادرين على القتل والمراوغة ومقاومة الضغوط، بل لأنهم لا يرون، بسبب تركيبتهم الطائفية والأيديولوجية، أن هناك حلولاً وسطى للأزمة. فهم إما ينتصرون بالكامل وينضم العالم كله إلى صفهم مصفقاً تحت شعار «محاربة الإرهاب»، وإما سيظلون يقاتلون حتى النهاية، طالما يجدون من يقدم لهم الدعم السياسي والعسكري، ومن بين هؤلاء روسيا نفسها التي تنتحل دور الوسيط المراوغ.

 ويلجأ ديمستورا في جديده إلى التحايل وتفخيخ اقتراحاته بتضمينها فقرات غامضة تحتمل أكثر من تفسير واجتهاد، إن لناحية مغزاها السياسي أو مداها الزمني أو لجهة إمكان تطبيقها العملي. ولنأخذ مثلاً الفقرة في خطته التي تقول أن تسبق المرحلة الانتقالية مرحلة تمهيدية تتمتع خلالها الهيئة الحاكمة الانتقالية بسلطات تنفيذية محددة (المقصود محدودة) تمتد لفترة زمنية لا يحددها النص، أي تترك لاتفاق الأطراف المعنيين.

يعني هذا الاقتراح أن الفترة الانتقالية التي نص عليها بيان «جنيف 1» أنجبت فترة جديدة مائعة، وقد تنجب غيرها بحسب الظروف والأوضاع الميدانية والسياسية، وأن ما ذكره البيان عن منح الهيئة الانتقالية صلاحيات كاملة لم يعد وارداً في فترة أولى ليس معروفاً متى تنتهي. وهو ما يدعو إلى التذكير بتجربة نظام الأسد اللبنانية في تطبيق اتفاق الطائف الذي نص على انسحاب الجيش السوري وتسليم الأمن إلى السلطات اللبنانية بعد سنتين كحد أقصى من تاريخ توقيعه، وكيف أنه ماطل 16 عاماً في التنفيذ بحجج مختلفة اختلقها، ورعا الانقسامات اللبنانية وشجعها حتى يبقى ممسكاً بعنق البلد وقراره.

ولنا أن نتساءل ما ستكون عليه المرحلة الانتقالية إذا ظل الأسد ممسكاً خلالها بالأجهزة الأمنية والعسكرية؟ وماذا سيحصل لقوات المعارضة إذا كان «داعش» الذي ينسق مع النظام ويخوض معاركه بالوكالة عنه، سيواصل هجماته على مواقعها، فهل يستطيع أحد عندها ضمان أن قوات النظام لن تهاجمها أيضاً تحت غطاء منع «داعش» من التقدم؟

إلا أن هذه الخطة يعتريها خلل على مستويات عديدة، أبرزها أنه لا يقدّر وزن ودور المقاتلين والثوار على الأرض، مكتفياً فقط بـ”التمثيلات السياسية والمدنية ومؤتمراتها .

وفي المقابل أكدت الهيئة العامة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية  تمسكها بنقل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية من نظام الأسد إلى هيئة حاكمة انتقالية كاملة الصلاحيات، تضع البلاد على طريق الحياة الديمقراطية والتعددية السياسية.وأن الحل السياسي يستوجب إنهاء دور الأسد و”زمرته” في المرحلة الانتقالية، بما يحقق تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة، وفق بيان “جنيف1″، وقرارات مجلس الأمن والشرعية الدولية، وبما يضمن تحقيق انتقال سياسي حقيقي بناءاً على جدول زمني محدد.
وعبرت عن تحفظها على خطة مبعوث الأمم المتحدة   ديمستورا، التي تقدم بها إلى مجلس الأمن،
وسجلت تجاهل خطة ديمستورا خروقات نظام الأسد الواضحة والمتكررة لقرارات مجلس الأمن رقم 2209 و2139 وإغفال أي آليات من شأنها أن تؤدي إلى حقن دماء الشعب السوري وتخفيف معاناته التي تسبب بها النظام والمليشيات الطائفية والإرهابية.
وأن  الخطة تجاهلت قيام نظام الأسد بإعاقة أي خطوات لبناء الثقة في المجال الإنساني على نحو متعمد، بالإضافة إلى وضعها معايير قسرية من شأنها أن تضعف تمثيلية المعارضة، في مقابل تترك للنظام حرية اختيار ممثليه دون أي محددات.
وذكّرت الهيئة بقضية اللاجئين السوريين بهدف توفير الملجأ الآمن والإنساني المؤقت لهم، وتأمين الظروف التي تبعدهم عن الأخطار.

لذا فإن الحل السياسي المقبول هو فقط الحل الذي يقوم على تطبيق جنيف 1 نصاً وروحاً، بحيث لا يكون للأسد وزمرته أي دور، لا في المرحلة الانتقالية، ولا في مستقبل سوريا، والثبات على أهداف الثورة، وعدم إتاحة الفرصة أمام المجتمع الدولي للتنصل من قراراته السابقة، والتزاماته القانونية والأخلاقية تجاه الشعب السوري، وقطع الطريق على من يريدون مسامحة القتلة أو إعادتهم للواجهة.

أما المبعوث الدولي أصبح ساذجاً عندما أسقط من اعتباره تاريخ بشار الأسد الدموي الذي يؤكد أنه لا يمكن أن يتنازل طوعاً ولو عن صلاحية بروتوكولية واحدة، وعندما انتهك عشرات القرارات الصادرة عن مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة وجميعها تدين هذا النظام وبشكل لا مواربة فيه ، إن الطلب من السوريين أن يتشاركوا مع النظام المجرم وأن ينسوا ضحاياهم بحجة خطر الإرهاب ، هو طلب لا إنساني لأنه ينتهك كل القيم الأخلاقية فضلا عن انتهاكه لابسط قواعد العدالة والشرعية الدولية . 

والله غالب على أمره

 

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top