العجز..بلاد الأحلام الوردية

كلمة تلخص حال العالم العربي والدولي تجاه المأساة السورية الممتدة منذ نحو خمسة أعوام بكل جوانبها، تضاف لحالة العجز البشري لمواطن سوري بريء اجتهد ليجد ملجآ يأويه وعائلته عبر حافة الموت (البحر) المتوسط مبحراً من بدروم تركيا إلى بلاد الأحلام الوردية.

يقف الجميع مذهولاً أمام ما يجري أو يتصنع ذلك وكأن الأمر وليد اليوم، وكأن المأساة حدث طارئ يتعاطون معه، أو كأنها حالة مفاجئة لبضع مئات أو بضع آلاف من البشر المتواكلين على الآخرين وليست حالة قسرية قائمة لشعب بأكمله مليء بالعطاء والرقي والتقدم يعاني الويلات على يد أبشع نظام عنصري قاتل بسبب صمت حكوماتهم لقرابة 1630 يوماً ،كل ذنبه أن نادى بالحرية والكرامة وسط غابة من اللئام والطغاة.

أوروبا أو بلاد الأحلام المثقلة أصلاً بأعبائها الاقتصادية تتقاذف أشرعة المهاجرين الفارين من جحيم الحرب المسعورة في بلادي، تارة مؤيدة وتارة كارهة ،فلكل غاية ودافع ومحرك. ألمانيا تؤيد علناً السماح لبعضهم بالوصول إليها واللجوء وكذلك النمسا متمسكةً بقيم إنسانية، تخفي تحت عباءتها إفراغ أمة رغبة في تأمين عمالتها للمستقبل القادم وإرضاء لمشاريع استعمارية جديدة في الشرق الأوسط، إذ تعلم أن تلك الشعوب إن قدر لها ومُكنت في الأرض من جديد لتقيم عدل الله فيها كما أجدادهم الأمويين.

دول أخرى كاليونان وإسبانيا والمجر ومقدونيا وصربيا وغيرها ترفض حتى مرورهم بسلام ،وبين هذه وتلك دول رفعت شعار الحرية وتتمنى أن لا تصل قوارب الموت للجزر اليونانية بوابة الأحلام ،وعالم عربي صامت عاجز عن أي حراك..!.

يأبى (الموت) المتوسط أن يمر يومنا بسلام، ربما عشق أجساد أهلنا كما عشق أرواح أجدادنا الذين أعطوه ذاك الاسم منذ ملايين السنين، الذين خطوا الأبجدية الأولى وخاضوا عبابه ناشرين الحضارة والإنسانية للعالم الذي يسعى احفادهم اليوم لولوجه نتيجة القتل الممنهج لهم في بلادهم ،ومن حالف القدر باجتيازه كان على موعد مع حتف جديد.

أمس تجلّت ملحمة الحياة السورية جندي تركي يحمل طفلا خطف البحر حياته قبل أن تقذفه أمواجه للشاطئ مظهراً وسخ العالم المتحضر المتفرج على المأساة الشريك بقتلنا منذ سنين، يحمله بيدين ترتجفان وقلب يبكي ووجه شاحب كئيب، بينما يجتهد أقرانه لإنقاذ ما تبق من قارب مطاطي مهترئ جمع أكثر من 100 شخص قدمه مهرب مأجور مقابل حفنة من الدولارات لإيصالهم لليونان.

وقبل هذا وذاك غرق مئات في قوارب أخرى لا تصلح حتى للعب تاركين خلفهم مآسٍ لا تنتهي في حين مازالت النمسا تبحث عمن يمحو عار حضارتها بعدما وجدت شرطتها أكثر من 71 جهة سورية حلم أصحابها بالحياة في شاحنة على قارعة الطريق.

أما صفحات التواصل الاجتماعي وبخاصة تويتر وفيس بوك فقد اختنقت بين مهلل لألمانيا وإنسانيتها، وبين محمل للعرب (دول الخليج) الجريمة النكراء وأسباب ما يجري وكأننا في زمن الفاروق أو معاوية أو المأمون..!، متناسين أن استمرار ثورتنا يعود بعد تصميمنا لدعم الدول العربية الخليجية وأن ما احتضنته تلك الدول بين مقيم وزائر يناهز 5 ملايين شخص وهو عبء ليس بهين على كافة الصعد كما يعتقد البعض فضلاً عن دعمها المستمر للسوريين في مخيمات الأردن ولبنان وتركيا والتي تحوي ملايين الأبرياء المسجلين لدى الأمم المتحدة، وفوق كل ذلك دعمها الذي لم ينقطع للجبهات على امتداد الجغرافية السورية ضد نظام مجرم قاتل.

نحن لسنا في وارد الدفاع عن دولة أو نهلل لأحد لكن من الضروري ذكر الحقيقة المرّة بحياد، التي نشيح بعيوننا عنها كي لا ننساه أبداً وكي نعلمها لأطفالنا وأحفادنا، الصمت الدولي من حكومات الغرب وأمريكا سبب مأساتنا، تغاضيهم عن القاتل المجرم الأسد كل تلك السنوات وتحميل المقتول الذي يبحث عن الحرية والحياة المسؤولية عار عليهم بعدما ارتكب مئات بل آلاف المجازر أمام أنظارهم، محاولتهم اليوم تطيير الثورة والمأساة السورية وحصرها بحل سياسي مصطنع على المقاس لإشراك القاتل في الحل عهر دولي قذر غير مقبول، فليأخذوا حثالتهم وعملاءهم وزبانيتهم الذين يحمونهم عن بلادنا لتعود لنا الحياة ونعود لديارنا التي نحب.

من حق كل فرد منا أن يصل لبر الأمان في بلادكم كما من حقكم أن تسرقوا خيرات بلادنا كل تلك العقود، من حق أبنائنا أن يتعلموا ويعيشوا بسلام كما من حق أبنائكم أن يترفهوا نتيجة سرقتكم مدخرات بلادنا، من حقنا أن ننقل الحقيقة لمواطنيكم الطيبين المغيبين عن حقيقة ما يجري كما من حقكم أن تكذبوا عليهم.

سوريا الآشورية الفينيقية الكنعانية الآرامية الإسلامية التي تعود آثارها البشرية المسروقة على يد الطغاة واللصوص إلى بدء الخليقة يصبح أهلها بين سندان قصف النظام المتوحش ومصير بلاد الأحلام عبر الموت (البحر) المتوسط.

الصحافي: مصعب السعود

اترك تعليقاً

scroll to top