الشيخ الزاهد  محمود جنيد رحمه الله تعالى

 

ولد رحمه الله تعالى عام 1903م يتيم الأب في بيت عُرف بالزهد والورع والده وجده رحمهما الله تعالى عُرفا بالتواضع والسيرة الحسنة، وبعد استشهاد والده جنيد في معارك الدولة العثمانية مع الروس تربَّى في حجر والدته رحمها الله تعالى مع أخويه الكبير محمد، والصغير أحمد، فهو أوسط أولاد جنيد.

لما كان عمره اربعة عشر عاما اصيب بالشلل فطلب من والدته أن تأخذه الى المسجد حملت ولدها وهو ابن اربعة عشر سنة وبقي في المسجد اربع سنوات وفي اخر السنة الرابعة من المرض حصلت كرامة الشفاء وقد بلغ من العمر ثمانية عشر سنة وخلال هذه الفترة كانت والدته تخدمه وهو على سرير المرض لا يستطيع الذهاب إلى قضاء الحاجة، لكن مرضه لم يمنعه من حفظ القرآن الكريم صغيراً، وكان يعرف فيه الذكاء والحفظ كما عرف عنه صوته الرخيم الذي كان يسمع منه أثناء تلاوة القرآن الكريم أو إنشاد بعض القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وآلة وسلم.

شفاء الطفل المشلول كان فيه معجزة من الله وعبرة:

وذلك في ليلة عيد الفطر إذ رآى النبي صلى الله عليه وسلم قائلا له قم يا محمود يقول الشيخ فقلت يا رسول الله ولكني لا استطيع القيام قال ثم فتحت عيني حركت رجلي فإذا بهما تتحركان قمت.. الله اكبر.. مشيت، اسرعت وتوضأت وصعدت الى مأذنة المسجد  ، وكان الوقت قريب الفجر تحرَّكت نحو المئذنة القصيرة وصرت أُسبِّح الله  . والوالدة الأرملة  تسمع صوت محمود، معقول أن يكون صوته؟ أصغت مرةً أخرى تأكدت من الصوت، الصوت صوت ولدها محمود، ولكن أنّى له أن يصعد المئذنة، لبست وخرجت لتتأكَّد من الأمر، فعرفت أنه ولدها، وبقدرة من الله عزَّ وجل بدأ يتعافى وملك شيئاً من القدرة على الحركة، فسالت دموعها فرحاً، وشكرت ربَّها عزَّ وجل، ثم سألته فقصَّ عليها خبر تلك الليلة.

وقد كان في مرضه أن نصح بعض صويحبات والدته أن تأخذ طفلها إلى كنيسة أم الزنار وهناك البطرك يقرأ عليه  وبالفعل حملت ولدها وهو في ذلك اليوم ابن اثني عشرة سنة تقريباً، إلى الكنيسة   وإذا بالناس عند جامع السراج يركضون باتجاه الكنيسة مرعوبين مذعورين،   حتى كادوا من كثرتهم وهياجهم أن يوقعوها مع ولدها، حتى التجأت إلى باب مسجد السراج، وهي لا تعلم ما الذي حصل: تسأل هذا فلا يسمعها، والآخر لا يجيبها، وهذه لا تلفت إليها حتى جاءها جواب القصة:[ الآن مات البطرك] فعرفت أن الأمر صدق، فعادت أدراجها لم تر البطرك، ولم يقرأ على ولدها ولم تدخل الكنيسة ، ولما عرف الشيخ محمود  لاحقاً الأمر قال: الحمد لله أن البطرك مات، والحمد لله أنه لم يمدَّ يده على رأسي، ولو رقاني وتعافيت بعدها بتقدير الله لكانت فتنة لي وللناس ، عادت الأم إلى بيتها تعبةً مُجْهَدةً، فوضعت ولدها على السرير، وسألت الله عزَّ وجل له الشفاء.

حصل الشيخ رحمه الله على كثير من العلوم وركز على أمرين هامين: الفقه والسلوك في جميع دروسه وفتاويه ومجالسه، وكانت عنده براعة في تطعيم الدرس الفقهي بحكايات الصَّالحين، حتى إنه إذا كان يتكلم في الطهارة أو الوضوء، أو الاغتسال يأتي بحكايات الصَّالحين مما يُعطي لدرسه روحانيَّة خاصَّة قلَّ أن توجد أثناء تقرير مثل هذه الدروس.

كان محباً لنشر العلم منذ أن شعر أن عنده قدرة على تدريس غيره، وقد بدأ مبكراً في تدريس القرآن الكريم، والعربية والفقه، كان يعودُ المرضى ويشهد الجنائز، ويشارك الناس في أفراحهم، ولو أدّى به هذا إلى السهر الطويل حتى إنه كان له دروس بعد العشاء مع مشيخته في البيوت، ثم لما صار شيخاً صار يدير هذه الدروس، وبسبب إيجابيته في الأمور الاجتماعية صارت له محبَّه عظيمة في قلوب الكثيرين.

في أعوام الستينيات لاحظ  الشيخ  رحمه  الله أن ثمة أزمة تحدث عند سفر المشايخ إلى الحج، فليس هناك عدد كاف  من الخطباء ينوب عن المسافرين للديار المقدسة، ولا من ينوب عنهم في الإمامة، والخطابة تحتاج إلى جرأة نوعاً ما، فخطر على بال الشيخ أن يسدَّ هذا الفراغ الذي يحصل، فخصَّص ساعة بعد صلاة العشاء من يوم الأربعاء في مسجد الشيخ كامل يُكلِّف فيها بعض الطلبة وهم صغار بتحضير موضوع أو شرح حديث أو تفسير آية وأمام الحضور، فاستطاع أن يكسر حاجز الرهبة من صعود المنبر والخطبة في الناس، فتعوَّد الطلبة الصغار على التحدُّث والخطابة، والشيخ يشجعهم.

كلُّ هذا العمل وهذا النشاط وهذه الدروس، والشيخ ربُّ أسرة مكوَّنة من أربعة عشر شخصاً، ربَّاهم على العفَّة والقناعة والزهد والورع، بيته بيت متواضع ضيق مساحته حوالي 90م، غرفتان ومطبخ صغير.

ورعه وبعده عن الشبهات:

 لا نبالغ إن قلنا أن الحديث عن قصص ورع الشيخ وزهده وتحريه الحلال في مأكله ومشربه وملبسه كثيرة لا يحيطها هذا المقال منها : أعطته شركة المغازل حصته من الغزل بسعر رخيص، حيث إنّ السعر قد ارتفع فعاملوه ـ وظنوا أنهم فعلوا معه معروفاً ـ عاملوه بالسعر الرخيص، ولعبوا في الفاتورة، وسبّقوا تاريخها، وعلم الشيخ أن السعر ارتفع قبل شراء الحصة فلما جاء الموظف ليأخذ الثمن وجد الشيخ قد أعدَّ مبلغاً بناء على السعر الجديد الغالي، فقال له: الفاتورة أقل. قال الشيخ: أنا استلمت الغزل بتاريخ ارتفع فيه السعر.

يا سيدي: ماذا نعمل الآن الفاتورة صدرت؟ قال: لا أعلم دبّروا حالكم أنا لا آكل حراماً.

ظنوا أنهم أرادوا نفعه وإذا به يعتبر أنهم يريدون الإضرار بآخرته، وآخرتُه أغلى شيء يعده لنفسه.

ماذا يتحدَّث الإنسان عن ورع الشيخ ومواقفه واهتمامه بآخرته؟ قصص كثيرة ودروس وعبر { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه….} رجال حقيقة وعملاً وفكراً ونضجاً وخلقاً.

دكانه:

لا يأخذ الشيخ راتباً على كلِّ ما يقوم به من دروس خاصَّة أو عامَّة، وكان له دكان يبيع فيها حصة من الغزل يسيرة، ومن ربحها يعيش، ولكن الجميع ما كان يرى في الدكان غزلاً ولا تجارة لبساطة الحصة التي يشتريها ويبيعها. إذاً ماذا كانت هذه الدكان؟! فيها مقعد خشبي إنْ رميته في الشارع لا يأخذه أحد، يتَّسع لثلاثة، وكرسي قديم، وطاولة قديمه، والدكان صغيره، إن هذه الدكان كانت:

1ـ دار فتوى: فإذا اقتربت منها وجدت عنده بعض العلماء ،وقد عرضت لهم مسألة فقهيه يستشيرونه فيها، وتجد آخرين ينتظرون حتى يذهب هؤلاء ليسأل كل واحد عن مسألة تهمُّه في دينه .

2ـ الدكان مدرسة: ومع هؤلاء تجد ثلاثة طلاب أو أكثر جلسوا على تلك الخشبة يقرؤون كتاباً في الفقه أو النحو أو غير ذلك.

3ـ الدكان مستشفى: ومع هؤلاء تجد أناساً واقفين لأن بهم مرضاً أو وجعاً يريدون من الشيخ لو يرقيهم بآيات من كتاب

  الله عزَّ وجل فلطالما وجدوا لتلك اليد بركة، وأثراً في شفاء مرضاهم .

4ـ الدكان جمعية بر وخدمات :ومع هؤلاء تجد أناساً واقفين ينتظرون، فهم فقراء يحتاجون صدقة، ويعلمون أن الشيخ يكلَّف من البعض بتوزيع بعض الصدقات والزكوات أو الخبز أو الثياب فيجدون بغيتهم فيرجعون مجبوري الخاطر.

5ـ الدكان جمعية إصلاح ذات البين: ومع هؤلاء تجد أناساً متخاصمين تجارياً أو اجتماعاً أسرياً أو غير ذلك فيجلس الشيخ معهم إذا سمحت الفرصة ليصلح فيما بينهم، وكم حُلَّت مشكلات وفُضَّت نزاعات، وزالت خصومات في هذا الدكان بكلمة طيبة مع ابتسامة الشيخ الهادئة، وكثيراً ما كان يجتنب تحليفهم الأيمان فيحل الخصومات صلحاً، وإن الكثير يعلم أنَّ كثيراً من النصارى كان يأتيه ليفض نزاعهم التجاري مثلاً مع خصومهم مسلمين أو نصارى.

6ـ الدكان مركز استشارة :ومع هؤلاء كلهم تجد من يأتي ليسلِّم على الشيخ من خارج المدينة أم من داخلها ويطلب منه دعوة أو يستشيره في أمر خاصٍّ به، أو بأسرته ،والذي دفعهم إلى هذا أنهم وجدوا أثراً لرأيه السديد في مشكلاتهم الخاصة.

7ـ الأمر العام: وإذا حَصَل أمرٌ عام يستدعي اجتماع علماء البلدة في مثل هذه الأوقات التي يكثر فيها الناس، عندها يترك الجميع ويغلق دكانه، ويذهب إلى الاجتماع مع العلماء، ذلك لأن للأمور العامة عند الشيخ أهميتها الخاصة، فهو مع آلام الناس وآمالهم، وكل ما يهمهم، ويفرح كثيراً عندما يجد العلماء قد اجتمعت كلمتهم، وخرجوا برأي مُوحَّد ،وكان قليل الكلام، وإذا تكلم في مثل هذه الجلسات فكلامه لتوفيق الآراء واجتماع الكلمة ونصرة الدين، فمثل هذه الاهتمامات مؤشِّر على أن الشيخ لا يعيش مع الكتب الصفراء وحدها ،وإنما يعيش هذه الأمة، لحاضرها ومستقبلها وآخرتها، ودينها ودنياها  

مكثه في حمص لقيامه بفريضة عينية:

إذا كان أخوه الشيخ محمد رحمه الله اعتنى بالحج والحجاج وخدمتهم والسهر عليهم خلال 45سنة متتالية فإن وظيفة الشيخ محمود لم تسمح له أن يترك البلد إلا حجتين أو ثلاثة، ولما اشتاق له أخوه الشيخ محمد أثناء جواره بالمدينة المنورة، وطلب منه أن يأتي حجاً أو عمرة، فكان الجواب من حمص للمدينة المنورة، الشيخ محمود يقول: أنا حجي وعمرتي وزيارتي في حمص، حيث قلَّ من يفتي أو يُدِّرس، وكأنَّ فرض الكفاية أصبح فرض عين عليه في تلك الفترة.

أوراده الرتيبة :

تلاوته للقرآن الكريم، بعده عن الشبهة مالاً وفتوى، يرضى بالقليل إذا كان بعد الكثير سؤال وعذاب، بل يجوع ويعطش ولا يريد شبهة في كسب أو مال.

كراماته من لسانه رحمه الله يرويها لأبنائه :

كان عمره ٨٥ سنة لما قال لأحد ابنائه والله ياولدي لا أذكر منذ بلغت الحلم أن الصبح أذن وأنا نائم، ويقول رحمه الله:

أعظم كرامة محافظتي على درس الصبح في جامع الكببر ٥٠ سنة لم انقطع وصار بعد ما اكرمه الله من استقامة دروسا تعطى لا مفاخرة

 أعظم كرامة: صار لي عشرين سنة ما انقطعت عن درس جامع الشيخ كامل.

أعظم كرامة: صار لي كذا سنة وأنا في الدكان أفتي الناس وأعلمهم وأحلّ مشكلاتهم و….

أعظم كرامة: صلاة الفجر مع الجماعة في جامع الشيخ مسعود .

أعظم كرامة: قرأت كثيراً من الكتب في دروسي.. فالشيخ يعتبر أن الاستقامة عين الكرامة، وأن حبه لأولياء الله وإيمانه بهم كرامة عظيمة 

ابتلاء الله للشيخ محمود بتعدي النظام الأسدي المجرم وظلمه وأفراد عائلته:

امتحن الشيخ محمود في الثمانينات لما اعتقل حافظ الاسد ولده الصيدلي معروف ثم اعدمه في تدمر عام ١٩٨٢

واعتقل ولده ايضا احمد في تدمر لمدة ١١ سنة

وقتل ولده المهندس سلمان عام ١٩٨٠

 وقتل حافظ الاسد اولاد اخيه الاربعة فضل وصفوح ونصوح ومحمد نور

واعتقل صهريه أُعدم احدهما وأُفرج عن الثاني بعد اا سنة في تدمر

كان الشيخ محمود مثالاً وقدوة صالحة للشباب وقد فقدوا القدوة الصالحة، كان ملتزماً بدينه، بعيداً عن المنكرات، بعيداً عن الشبهات، يتحرّى الحلال، ويزن كلامه، راضياً بما قسم الله له، قانعاً بما أعطاه ربّه، حريصاً على نشر العلم.

وكان ميسّراً في الأحكام بما لا يخالف المذاهب، على قاعدة أنّ المشقّة تجلب التيسير، والأمر إذا ضاق اتسع.

حريصاً على مساعدة المحتاجين من الأيتام والأرامل والعجزة، وسد رمق العائلات المستورة.

وكان يشعر بمسؤوليّة الفتوى وأنّ عليه واجب سد مكان العلماء الذين غادروا المدينة بعد أحداث عام 1980، وكان متحرّراًُ بعيداً عن الانغلاق الفكري، وكان يحرص على الابتعاد عن الحكام، وعن المناسبات الرسميّة، لا يعرف التملّق والوقوف بأبوابهم، وإلى جانب هذه الصفات الحميدة كان الشيخ يتذوّق الشعر، ويحفظ القصائد الوجدانيّة، ويطرب لقصائد مدح الرسول صلى الله عليه وسلّم.

وكان  لا يعرف البدعة والغلو، ويؤمن بكرامات الأولياء الصالحين.

كانت آخر حياة الشيخ ابتلاء وامتحاناً، حيث أصابته هموم عامَّة وخاصَّة كان لها أثرها على الشيخ فمرض عدَّة أمراض وتغيَّر وضعف، وظلَّ على الرغم من مرضه يتابع مهامه التي يستطيع متابعتها، ويتحمَّل فوق طاقته حتى 1993م حيث وافته المنية.

وما إن علمت حمص بالخبر حتى خرجت من بيوتها تعلن الوفاء لعالمها ولدينها وإسلامها، خرجت حمص التي تعتبر أنها مدينة لهذا الشيخ، وأن تشييعه يعني تسديد بعض ما للشيخ عليها من حقوق. وتمت الصلاة على جثمانه الطاهر في مسجد خالد بن الوليد ودفن في الكتيب وكانت الجنازة التي لا يتصور إنسان أن تكون بهذا الكم من المشيعين فحتى النصارى شاركوا في التشييع.

الشيخ الجليل المرحوم محمود جنيد لم يضيع لحظة من حياته إلا متعلِّماً أو معلِّماً، وحبُّ العلم سجيَّة فُطر عليها، خالط حبُّ العلم لحمه وعظمه كما خالط حبُّ الصالحين شغَاف قلبه فاستحق التكريم والخلود في ذاكرة أبناء محافظته.. حمص.

والله غالب على أمره

9 رمضان 1436 الموافق 26 حزيران 2015م

اترك تعليقاً

scroll to top