الشيخان الطاهران الأتاسي والرئيس

العلامة القاضي الشاعر محمد طاهر أفندي بن محمد خالد الأتاسي :
ولد الأتاسي سنة 1860م في حمص، في بيت يجول بأروقته كل فهم، كان والده مفتي حمص، فدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة، وبلغ من العلم درجات، وولج من بابه أعظم الوَلَجات، ثم سافر إلى الأستانة ودرس في مدرسة القضاء الشرعي فيها (مكتب النواب) ونال الدرجة الأولى عام 1883م، وعاد إلى بلاده ونزل دمشق، فأخذ عن السيد محمود الحمزاوي الحسيني، مفتي الشام، وغيره من أكابر العلماء.
**القضاء والفتوى تقديرا لعلمه
وعرفت الدولة العثمانية مقدار فطنته، فنصبته قاضياً في مدن عديدة، فتولى المنصب في حوران عام 1306 للهجرة (1890م)، ثم في نابلس، فالكرك، ثم دنزلي وأضنة من بلاد الروم، ثم في القدس الشريف، إلى أن نال منصب القضاء في البصرة. ومنصب القضاء الشرعي في مدينة القدس يعتبر من أعلى رتب القضاء في السلطنة العثمانية إذ يأتي في الدرجة الخامسة بعد قضاء العسكر الروملي والأناضولي وقضاء الحرمين الشريفين، بينما يعتبر قاضي دمشق ثامناً من حيث الرتبة، ولا يتولى قضاء القدس إلا أكثر علماء الدولة تبحراً في العلوم الشرعية، ويعتبر من فئة “المولى الكبير”. ثم رسم للعلامة الأتاسي بالفتوى في بلده الأول حمص، وجاءه منشور المشيخة الإسلامية عام 1333 للهجرة (1914م)، فعاد إليها، وشرع بإفادة قاطينيها، وظل منارة للعلم مقصودة وظل رحمه الله مفتي المدينة إلى أن وافته المنية، فكانت مدة إفتائه قرابة ربع قرن .
وأقبل طلاب العلم عليه بهمة قوية، يدرسون العلوم الشرعية والأداب العربية، ويأخذون عنه الفقه واللغة والحديث، فخرجوا من حلقاته علماء أفذاذ .
**ومضات من العمل السياسي للشيخ الأتاسي (مؤتمر علماء الشام الأول):
ماأشبه اليوم بالأمس
وعندما أراد الفرنسيون أن يجزئوا البلاد، انبرى لهم العالم باجتهاد، واقترح إقامة استفتاء عام، فما وجد المستعمرون بداً من إقامة اتحاد، فصدر قرار بإقامة حكومة وحدة بين دويلة دمشق وحلب وبلاد العلويين في 29 حزيران من عام 1922، وانتخب خمسة مندوبين عن كل دويلة ليشغلوا خمسة عشر مقعداً، فكان الأتاسي ممثل مدينة حمص في دويلة دمشق، وكان معه فارس الخوري ومحمد علي العابد وعطا الأيوبي ممثلين لمدينة دمشق، وراشد البرازي مندوباً عن حماة وفي 10 كانون الأول 1922م قامت دولة الإتحاد وبدأ المجلس اجتماعاته وكان بمثابة المجلس النيابي المؤقت. ولما شكلت لجان المجلس الأربع (المالية، الحقوقية، الملكية وفيها التجارة، والنافعة وفيها الزراعة) للنظر في الشؤون المطروحة على المجلس عين طاهر الأتاسي في اللجنة الحقوقية بالإضافة إلى حسن أفندي الأورفلي واسماعيل أفندي الهواش. واستمر الوضع كذلك حتى أزال الفرنسيون الإتحاد في غرة كانون الثاني عام 1923م .
وفي 11 رجب عام 1357 من الهجرة (6 أيلول 1938م) اجتمع في دمشق الشام حشد من كبار علماء الشام والعراق بلغ عددهم مائة وخمسة شارك فيه الشيخ الأتاسي، من القدس ونابلس والنجف وبيروت وصيدا وطرطوس واللاذقية وحمص وحماة وحلب وأنطاكية وإدلب والباب ومنبج ووادي العجم والقنيطرة ودير عطية والنبك وعقدوا المؤتمر الأول للعلماء، وتباحثوا أوضاع العالم الإسلامي أياماً ثلاثة بلياليها ختمت بإصدار المؤتمر بياناً كان مفاد مقرراته: توضيح واجب العلماء في تبرئة الإسلام مما يصمه به المستعمرون، وكشف النقاب عن دواعي التفرقة التي يبثها المستعمر في البلاد باسم حماية الأقليات،
والتضامن مع فلسطين المعذبة والاحتجاج الشديد على ما يجري فيها من الاعتداء على كرامة رجال الدينين الإسلامي والمسيحي، وتأييد قرار كبار علماء الأزهر الشريف برفض مشروع التقسيم، وعدم الرضوخ للمستعمر ودعاياته، والعمل على كشف المؤامرات التي تحاك على الإسلام باسم الأقليات، ووجه المؤتمر كلمة
إلى علماء المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية يدعوهم إلى عقد مؤتمر عالمي عام يكون صخرة في بناء حصن الإسلام وإلى عقد المؤتمرات المحلية أسوة بمؤتمر علماء الشام للنضال ضد العدوان على الإسلام والمسلمين وتحقيق المبادئ الإسلامية التي إنما هي في خدمة الانسانية.
**مؤلفاته الشرعية والأدبية :
واشتغل العلامة الأتاسي بالتأليف، فكان من مصنفاته:
1- إكمال “شرح مجلة الأحكام العدلية” في الفقه الحنفي، والتي بدأها والده خالد الأتاسي، فأكمل مجلداتها الأخيرة فجاءت في سبعة أجزاء، وقد سبق الحديث عنها في ترجمة الشيخ خالد، وقد طبع هذا المؤلف الضخم مرات في حال حياته وبعد وفاته ووزع الكتاب وانتشر وصار كتاباً يدرس لطلاب العلم.
2- “الرد على الأحمدية القاديانية”، طُبع مرة ولم تجدد طباعته
3-“سواطع الحق المبين في الرد على من أنكر أن سيدنا محمد خاتم النبيين”، طُبع في حمص عام 1350 للهجرة (1931م)
4 – مجموعة فتاوى كانت عند الشيخ وصفي المسدي أحد تلامذته.
5 -ديوان شعر كبير غير مطبوع
بالإضافة إلى مصنفات شرعية أخرى لم تطبع، هذا وقد كان الشيخ طاهر الأتاسي خطاطاً، خط بقلمه الشريف القرآن الكريم كاملاً ومن ذلك نسخة كتبها بخط الإجازة كانت موجودة في مسجد خالد بن الوليد ثم نقلت إلى متحف دائرة الأوقاف بحمص حيث كانت لاتزال موجودة قبل أن تدمر حمص من قبل الآلة العسكرية للنظام المجرم.
انتقل المرحوم العلامة إلى رحمة الله في يوم الجمعة الحادي عشر من ربيع الأول من شهور عام 1359 الهجري المقابل لشهر نيسان عام 1940م، ودفن في مدافن العائلة في حمص ،وقد كان بحق من أكبر علماء حمص ومن أعظم فضلائها.
الشيخ محمد طاهر بن الشيخ عثمان الفريعي (الرئيس ):
ولد عام 1882م برع وفاق أقرانه وأخذ عنه العلماء والأعلام وكان لا ينقطع عن التدريس والإفتاء وحل مشاكل الناس في غرفته بجامع النوري الكبير ،وقد خصص درساً عاما للنساء في جامع خالد بن الوليد وقد أسس مدرسة خاصة للمرحلة الإبتدائية ماتزال إلى يومنا هذا ( المسعودية ) وكان يختار أفضل المدرسين وكان شاعرا مجيدا وضليعا بعلوم اللغة ونحوها .
كان من أعضاء مؤتمر العلماء الذين نزلوا دمشق ليمثلوا مدينة حمص مع الشيخ محمد الأتاسي الذي ذكر سابقا ،مع غيره من أكبر العلماء في حمص وكان من مقررات هذا المؤتمر العمل على انشاء المعاهد الشرعية وتمكين التربية الدينية في المدارس والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتأييد ودعم الجهاد في فلسطين ودعوة العلماء في الدول الاسلامية على عقد مؤتمر على شاكلة مؤتمر دمشق ليُصار في النهاية الى تشكيل مؤتمر عام لعلماء المسلمين والانكار على الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا فكرة تقسيم سورية بحجة كاذبة وهي حماية الاقليات ،و كان منهمكاً في سهره المتواصل للبحث عن الفتاوى والاحكام الفقهية التي تعترضه في حل مشاكل الناس واستخراج الاحكام الشرعية حيث “كان الشيخ طاهر رجل علم بحق، وكانت الكتب حوله دوماً، وكثيراً ما وُجد سارحاً في كتبه ليالي كاملة رحمه الله.
ونهل من علمه الكثير من طلاب العلم من دمشق وحلب وحمص الذين استلموا المنابر والخطابة بعد ان أجاز لهم الشيخ
 توفي الشيخ طاهر الرئيس عام 1975م تاركا وراءه علما ينتفع به عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، رواه مسلم.

اترك تعليقاً

scroll to top