الرهان على الدور السعودي بعد الاتفاق النووي

بقلم النقيب رشيد حوراني

حکَمَ “التنافس” معظم تاريخ العلاقات الإيرانية-السعودية، ولا تكاد ساحة فيها نفوذ للسعودية تخلو من تواجد إيراني  ، ويأخذ هذا التنافس زخمه الكبير في المنطقة العربية. ومنذ العام 2005 تتصاعد حدَّة المنافسة  وأخذ هذا الصراع أبعادًا جديدة مع الثورات العربية التي انطلقت شرارتها في تونس 2011، وازداد حدَّةً مع الثورة السورية، وتعاظمت حدَّته مع الأزمة اليمنية وتحالُف “عاصمة الحزم” ضد الحوثيين، وبهدف “مواجهة المدِّ الإيراني في اليمن. واعتُبرت “عاصفة الحزم” “تخطِّيًا لتقليد عدم المواجهة المباشرة بين الدولتين”، عقب قناعة بدأت تتشكَّل وسط صفوف صانعي القرار في السعودية بأن سياسة المواجهة غير المباشرة مع طهران باتت غير مجدية  وقد يكون الصراع بين البلدين مؤهَّلًا للوصول إلى مستويات أعلى إذا استمرت الأوضاع في سوريا والعراق على ما هي عليه من إمداد إيران للنظام الأسدي بالميليشيات والمرتزقة لاستمرار بقائه في السلطة، مع سعي السعودية للحسم وإنهاء ما بدأته في اليمن.

ومن الواضح أن الاتفاق النووي مع إيران، لن يجسر الفجوة بينها وبين جيرانها العرب وإن كان لا أحد يجادل في أن الاتفاق النووي، سيكون بمثابة صفقة يحقق فيها كل من طهران وواشنطن مكاسب كثيرة، وفي مقدمة ذلك أنها قلَّلت من احتمال نشوب حرب ضد إيران ويمكن أن تشكل ضمانة لعدم تطوير إيران للسلاح نووي، فضلًا عن إعادة بناء الثقة وتطوير العلاقات بين البلدين. وتعتقد إيران أنها قدمت تنازلات في برنامجها النووي تمكِّنها من الحصول على مكاسب في المقابل، ويظهر أن إزالة العقوبات هي المقابل الذي تريده إيران بصورة أساسية، وإذا ما حصلت على مطلبها هذا فسينتعش اقتصادها، واستثماراتها.

وإن كان الاتفاق يخفِّف من حدَّة التهديد الأميركي بالنسبة لإيران، إلا أن الأمر لا ينطبق بالنسبة للتهديدات على المستوى الإقليمي؛ فالاتفاق من وجهة نظر جيران إيران في الخليج العربي سيعزِّز من قدرة إيران على الهيمنة، ولا يرون أن الاتفاق سيجبر إيران على التراجع عن سياستها التهاجمية والمد الطائفي سعيا منها لتحقيق حلمها الفارسي ؛ فالتأكيدات الأميركية والتعاون في مجال الدفاع ومساعدتهم على ردع إيران عسكريًّا، لم تساعد في وقف النفوذ الإيراني في محيطهم القريب .

وفي المقابل، لم تقدِّم إيران ما من شأنه أن يخفِّف من مخاوف جيرانها العرب، وفيما كانت تخوض مفاوضات صعبة مع الغرب بشأن ملفها النووي، كانت تواصل بناء شبكة مصالحها في الشرق الأوسط في سوريا والعراق واليمن. ولا يبدو أن الاتفاق النووي سيُحدِث تغييرًا في السياسة الإقليمية لإيران، ولن يثنيها عن مواصلة حضورها في ساحات تصنِّفها بالمهمة لها مثل سوريا والعراق وبدرجة أقل اليمن. من غير المفترض الإفراط بالتفاؤل على هذا الصعيد وتوقُّع دور إيراني أقل في جبهات الصراع هذه؛ إذ ليس هناك أية مؤشرات على أن الاتفاق يتضمَّن بنودًا تصبُّ بهذا الاتجاه.

 و قد تنتهج إيران سياسة ذات أبعاد صراعية أعمق، وستواصل دعمها للجماعات المسلحة واللاعبين غير الحكوميين. وفي مقابل هذه السياسة ستسعى دول الخليج العربية وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية أيضًا إلى البحث عن وسائل جديدة لمواجهة إيران خاصة مع بدء تشكُّل قناعة لديها بأنه ما عاد بالإمكان الاعتماد على الحليف الأميركي كالسابق، وسيدفعها ذلك إلى تعزيز خيار “الحرب بالوكالة”. وما يزيد من خطورة هذا الصراع الجيوسياسي، تحميله بحمولات طائفية تسعى إيران لتأجيجها يرى فيه العرب في الخليج أن تراجع الصراع الطائفي مرهون بتراجع إيران كقوة إقليمية تسعى إلى تصدير ما تسميه بالثورة الاسلامية . وهذه الحمولات الطائفية تُعقِّد الصراع في المنطقة وتجعل الوصول إلى تسويات في المعضلة السورية والعراقية وكذلك اليمنية أمرًا في غاية الصعوبة.

و في مقابل الصفقة الأميركية-الإيرانية التاريخية، التي سيكون لها ما بعدها، فإنه إذا أرادت الدول العربية بالفعل العودة إلى مسار التاريخ والجلوس على الطاولة كلاعب”، لا كجزء” من الكعكة، فإنّ المطلوب اليوم القيام بصفقات فورية وسريعة موازية للصفقة الإيرانية-الأميركية، على الصعيدين الداخلي والخارجي.وهذا ما أدركته القيادة السعودية التي أيقنت أن “طهران، بحسب مجريات الأحداث والوقائع على الأرض تميل إلى المراوغة دائمًا، وهو ما بدا واضحًا للدول الكبرى عبر المفاوضات الشاقة التي خاضتها معها حول هذا الملف، لذلك  وضعت في بؤرة اهتمامها  العالم العربي والخليج بشكل خاص، ألاّ يكون هذا الاتفاق بأي حال من الأحوال على حساب الأمن القومي الخليجي والعربي، أو يفتح المجال واسعًا أمام العربدة الإيرانية في المنطقة”.

حيث أن إيران تتسلل من أخطاء العرب ليس إلا، لكن البدء “بعاصفة الحزم” و”إعادة الأمل”، وإنقاذ اليمن وسحبها من النفوذ الفارسي، والتأييد الدولي لهذا الاتجاه العربي، أوجد الطريق العربي الذي يمكن من خلاله الوقوف لأي خطر إيراني محتمل”.

 ومن ثم متابعة السعي لمواجهة الخطر الإيراني، باعتماد رؤى عربية جماعية تجاه ما يحدث في سورية والعراق، تماما كما حدث في اليمن.فتمثّلت خطوة استقبال الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز، لقائد حركة حماس خالد مشعل، خطوة جديدة مهمة من خطوات استعادة التوازن في السياسات الرسمية العربية، والانفتاح تجاه تركيا وباكستان والسعي لبناء تحالفات سياسية وعسكرية واقتصادية لوضع حد للمشروع الإيراني الساعي إلى تصدير الثورة”  تسليحاً وشحناً مذهبياً وتمزيقاً للمجتمعات وتعايش مكوّناتها.. ثم التقارب السعودي الروسي الذي أتى في الوقت المناسب،  انطلاقا من ان علي دول الخليج ان تنوع تحالفاتها في زمن تعدد الاقطاب، الذي رضخ واستسلم له اوباما وادارته الحاليه.هذا بالإضافة إلى وضع القيادة السعودية نصب أعينها ماتقدمه مراكز أبحاث استراتيجية وتقارير اعلامية أجملت خيارات الموقف الخليجي لمواجهة البرنامج النووي الإيراني بخيارات ثلاث :

  • استكمال بدء برنامج نووي سلمي يتم تحويله مستقبلاً –إذا ما اقتضت الضرورة –إلى برنامج عسكري على غرار ما قامت به الدول النووية في العالم،
  • الدخول في تحالفات استراتيجية علنية مع قوى نووية للحصول على مظلة نووية لتأمين ردع استراتيجي تجاه إيران.
  • إمكانية قيام بعض دول الخليج بشراء سلاح نووي جاهز.

لأن المعضلة مع طهران والتي لم تدركها بعد إدارة الرئيس باراك أوباما وبيته الأبيض، أن للتدخُّل الإيراني وجوهاً متباينة في المنطقة، لن تُمحى بمجرّد قرار سياسي أو رغبة، وأن دول مجلس التعاون لن ترغب بالتأكيد في خوض حرب مع جمهورية المرشد علي خامنئي، كما لا تتمنى رؤية عواصم أخرى عربية تسقط في قبضة حلفاء طهران.

والله غالب على أمره

اترك تعليقاً

scroll to top