الرمال المتحركة السورية

بقلم العقيد مصطفى فرحات

تسير الثورة على خط والنظام يسير على خط آخر موازٍ له، والخطان المتوازيان مهما امتدا لا يلتقيان، هذه حقيقة أصبح يدركها تماماً كل الضالعين في المشهد السوري من واشنطن إلى موسكو وما بينهما.

وبما أن إرادة الشعوب لا تقهر فإن مصير الطغاة إلى مزابل التاريخ.

ست سنوات ولم تستطع كل رياح التغيير أن تُجهض جذوة الثورة السورية.

ست سنوات ولَم تستطع كل الأعاصير حرف البوصلة عن الهدف المنشود، وسقطت كل المبادرات الالتفافية عند نعال الأبطال وعلى مشارف الوعي الثوري الذي تمسك به شرفاء هذا العصر ونخبهم اليقظة، ولم يتمكن كل من يدعي أنه قطب وقوة دولية من أخذ الثورة إلى غير موضعها؛ فإما إسقاط الاستبداد والظلم والقهر وإما الغوص في الرمال المتحركة السورية أكثر.

لقد أثبتت الحالة السورية أن القانون الفيزيائي ((لكل فعل رد فعل يساويه بالقوة ويعاكسه بالاتجاه)) هو قانون يسري على البشر أيضاً.

إن حجم الإجرام الذي تعرض له الشعب السوري كان طبيعياً أن يُولد في صفوف هذا الشعب روح الانتقام والثأر من المجرمين، وهذا رد الفعل الطبيعي.

و قد كانت المعالجات للملف السوري ارتجالية ومتدحرجة عكسياً  ولا تخرج عن نطاق التصريحات بينما الشعب السوري تُرك وحيداً يواجه آلة القتل والدمار كل يوم، الأمر الذي دفع بالوضع السوري نحو التعقيد وأغرى  أصحاب الأطماع وأصحاب المشاريع العابرة للحدود وقوى أُخرى  ضبابية وطفيلية للاستثمار في سوريا مستغلين الفوضى الحاصلة في البلاد  .

وهذا كله على حساب الشعب السوري والثورة السورية حتى أضحت الساحة السورية مكتظة باللاعبين كما هي مكتظة بوكلائهم، ولن نبدأ بداعش ولن ننتهي عند ميليشيا حزب اللات اللبناني وما بينهما  .

كل هذه الطفيليات التي اعترضت ثورة الشعب السوري الذي نادى بالحرية أصبحت عائقاً مضافاً إلى ما قبلها من عوائق وتحديات .

والأخطر الْيَوْمَ هو تراجع القوى الكبرى عن التزاماتها الأخلاقية والإنسانية حيال الملف السوري؛ فمن التصريحات النارية التي كانت تطلقها إدارة أوباما حيال جرائم الأسد من  :

(( لا مكان للأسد في مستقبل سوريا ………الأسد فقد شرعيته …….والكيماوي خط أحمر ….. و…… و…..)) إلى لا شيء!

ثم إدارة ترامب ونفس الزخم أو أكثر أيضاً إلى لا شيء!

بل بالعكس أصبحت إزاحة الأسد ليست أولوية ليس فقط في واشنطن بل في باريس وتحصيل حاصل موسكو وغيرهما.

فهل كانت التصريحات للاستهلاك ولإغراق الشعب السوري أكثر في المزيد من الصراعات والحروب والدمار؟

أم أن شيئًا ما تغير فغير معه المزاج الدولي؟

في الحقيقة هذا سؤال كبير ومحير!

ولكن على ما يبدو أن واشنطن التي تدير الملف السوري بأصابع روسية كما تدير العالم أجمع، لم تجد الشخص الذي إذا أمر يطاع في صفوف الثورة بشقيها السياسي والعسكري على حدٍ سواء، فكيف لها أن تنقل الدفة السورية إلى هكذا ربان وكلنا يعلم خطورة الدفة السورية وهي قلب العالم وجارة الكيان الصهيوني؟

فتحريك الدفة السورية بغير اتجاه من شأنه إشعال حرب عالمية.

إذًا، تشرذم المعارضة إلى معارضات والفصيل الثوري إلى فصائل، أسهم إلى حدٍ كبير في فتور الحماس الأمريكي خصوصاً و ((أصدقاء الشعب السوري عموماً)) حيال القضية السورية.

وللأسف الشديد نحن حتى يومنا هذا لم نتمكن من الوصول إلى وحدة الصف والكلمة، ولَم نتمكن من الإجماع على رجل رشيد بيننا وهنا الطامة الكبرى، فكيف نطالب بنصرتنا ونحن لم ننصر أنفسنا ؟

لو تمكنا من الوصول إلى كلمة سواء عندها سنضع المجتمع الدولي واللاعبين الأساسيين في الملف السوري أمام اختبار النوايا الحقيقية، أما ونحن على هذا الحال الذي لا يسر الصديق ولا يغيظ العدو، فنحن لن نستطيع التوجه بخطاب واحد مقنع للأسرة الدولية؛ وبذلك نكون قد قدمنا جرعات جديدة لإطالة عمر النظام وإطالة أمد المعاناة لشعبنا وأهلنا.

رغم إدراك المجتمع الدولي والعالم أجمع أن الاستقرار والأمان في سوريا خصوصاً والمنطقة عموماً لن يتحقق طالما بقي المجرم القاتل في دمشق.

 

اترك تعليقاً

scroll to top