الديموغرافيا الطائفية في حمص     

حمص هي قلب الجسد السوري الذي  يضخ الدم إلى كافة أعضاءه ، فهي تربطه مع ثلاث دول إقليمية مجاورة (العراق ولبنان والأردن) وتعتبر نقطة ارتكاز المشاريع الاقليميية والدولية في سورية .

بعد استقلال سوريا  وجلاء المستعمر الفرنسي توالت السنون  إلى أن استلمت الطائفة النصيرية  باسم عائلة الاسد السلطة  بانقلاب عسكري  عام 1970 م ليبدأ عهد جديد ترتب فيه الاوراق الاقليمية والدولية والطاثفية  وفق قواعد جديدة .

عمدت عائلة الأسد المجرمة على انتهاج استراتيجية توزيع ديموغرافي لمكًونات الشعب السوري لصالح الطائفة التي تنتمي إليها لضمان مستقبلها في السلطة ، فأنشأت القرى والمساكن والضواحي والأحياء على امتداد الجغرافية السورية ، وزرعتها في أماكن حيوية  وذات أهمية ، ووطنت  أبناء طائفتها ومنحتهم كافة الامتيازات من وظائف ومناصب  ومراكز للقرار في جميع المجالات ، وفي المقابل سلبت من باقي طوائف الشعب السوري وخاصة السنة حقوقهم كمواطنين فاعلين في الدولة السورية .

ظهر تأكيد تبني هذه  الاستراتيجية جليا في حمص ( العاصمة الدينية التي يحلم بها النصيريون ) ،  وفي دمشق (العاصمة السياسية التي يتطلع إليها النصيريون ) ضمن الدولة المستقبلية ، فعززوا المحور الرئيسي ( دمشق حمص الساحل ) ليربطوا  موانئ طرطوس واللاذقية بالمحور (الروسي الإيراني العراقي )  المرتبط بخط إمداد  حزب الله الشيعي في لبنان ، ليكون مرتكزا لتأسيس مشروع الهلال الشيعي . وأصبح من الضروري لكل من هو مرتبط بهذا المشروع أن يبقي سيطرته على حمص لأن خروجها عن سيطرة عصابات الاسد يعني فشل هذا المشروع بأكمله .

بغية تحقيق سيطرة دائمة لجأت العصابة الحاكمة في حمص إلى فكرة صناعة خارطة ديموغرافية  على امتداد جغرافية المحافظة تتيح لطائفتها احكام قبضتها عليها وتغَيير ملامحها السنية ، وإحاطتها بأحياء نصيرية مستحدثة ، وعملت على  توطين الشيعة بما يتفق والمشروع الصفوي  تحسباً لقيام أعمال من شأنها تقويض مخططاتها الطائفية ومشاريعها الاقليمية  . فكانت تطبق هذه الخطة تحت ذرائع متعددة منها قانون الاستصلاح الزراعي  (الارض لمن يعمل بها ) ، ومنها مشاريع التوسع السكاني على حساب الأملاك الخاصة ، ومنها مصادرة أملاك أهل السنة تحت تهمة دعم البرجوازية تارة وتهمة دعم الأخوان المسلمين أو الإنتماء لهم تارة أخرى ،  وبذلك استطاعت هذه العصابة الحصول على نسبة لابأس  بها من اراضي حمص التي اقتطعت من أصحابها السنة الاصليين ،  وعملت على تجديد خطة استيطان المناطق السنية بإصدار قوانين الادارة المحلية القاضية بهدم الابنية المخالفة و إزالة احياء بكاملها لتغيير معالم حمص الاصلية واستبدالها بأحياء توطَن فيها النصيريين والشيعة ، بل وعملت على إنشاء مساكن وضواحي جديدة حصل النصيريون من خلالها على نسبة سكن 90%وبذلك توهمت بقاء حمص خصوصاً وسوريا عموما تحت قبضتها .

 مع مرور الزمن جعلت العصابة الحاكمة من سوريا  محافظة ايرانية ضمن مستعمرة روسية تحمي مصالحهم ويحمون نظامها ، ونظرا لكون النصيريون أقلية في سوريا فقد كان الهدف اللاحق هو الإنسان السني نفسه  ففتحت الباب امام  البعثات الايرانية  لنشر التشيع في سوريا  تنفيذاً لمشروع ( الهلال الشيعي ) واشترت كثيرا من ضعاف النفوس البعيدين عن الدين القويم بالمال وشيعتهم .

في ظل ما سبق كان هناك نخبة مثقفة تعي ما يحدث وتحاول محاربته بما استطاعت وهذا ما أحدث لدى مثقفي حمص أفكارا وهواجس هيأتهم لثورة شعبية تسقط طاغوت نظام طائفة الاسد ومشروع حليفه الايراني وتدفع الظلم والقهر الذي عانَى منه الشعب طيلة أربعين عاماً . 

بدأت ثورات الربيع العربي  تعصف بالأنظمة الظالمة  وهبَت معها رياح الثورة السورية لتكون حمص بركانها وعاصمتها ، مما جعل نظام طائفة الاسد وحلفائه الاقليميين  يشعرون بخطر الثورة في  حمص  على مشاريعهم من الفشل، وبدأت معها أنظار العالم  تتجه الى حمص .فبادرت العصابة الحاكمة إلى تفعَيل عناصر الديموغرافية الطائفية في حمص والتي عملت عليها منذ فترة طويلة ، فبثت الشحن الطائفي ضمن الأحياء التي تقطن فيها طائفتها ، وزرعت الفتن ، وافتعلت الارهاب وسوقته داخل الثورة ، وجعلت أحياء النصيريين والشيعة مناطق عسكرية تحاصر مناطق  السنة  وتفصل بينها ، وجعلت لهذه  الأحياء قيادة من الشبيحة تنسق فيما بينها لتكون حاضنة شعبية لسلطتها ، وقواعد عسكرية لتمركز شبيحتها بسلاحها الثقيل من أجل قصف الثائرين في حمص ، ولتكون منطلقا لحملاتها العسكرية لاعتقال وقتل رافعي راية الكرامة  وسلب ونهب ممتلكات الثائرين .

بعد أشهر من الثورة المباركة  وجد أهل حمص أن حصارهم ليس من جيش النظام الخائن فقط ، بل من قبل سكان أحياء الطائفة النصيرية والشيعية  الذين ما فتئوا يرتكبون أفظع الجرائم بحق نساء وأطفال أهل السنة  أمام صمت مطبق من العالم. لكن هذا  لم ينل من عزيمة الثوار وسيرهم نحو الحرية بخطوات ثابتة ، فشقَوا  طريقهم بدمائهم  وضحَوا بأرواحهم لكسر الحصار المفروض عليهم ، وبدأت معها تنهار قوة العصابات الطائفية  وميليشياتها ، وتتهاوى  المؤامرات والمخططات التي تحاك ضد الثوار للنيل من صمودهم , وبالنفس وقته دخلت الثورة السورية في تجاذبات المصالح الدولية فتآمرت بعض الدول على تضحيات أبناء الثورة بسرق ثورتهم  وجعلها وسيلة لتحقيق مصالحهم  وتنفيذ أجنداتهم  وبناء مخططاتهم ، فقطعت عن حمص الدعم بكل أشكاله وجعلتها خطا أحمرا للداعمين .

مع استمرار الثورة وثبات الثوار وضرباتهم المتكررة والموجعة سقطت أعداد كبيرة من القتلى والمصابين من الطائفة التي استخدمها النظام المجرم أداة حرب ، فانهارت ديموغرافيا الحقد والإجرام و أصبحت لا تطيق مزيدا من الخسارات  مما دعا إيران إلى التدخل السريع كي تنقذ مشروعها  الشيعي فأرسلت الميليشيات الايرانية وحزب اللات الشيعية  لإعادة نظام الاسد  إلى قدرته القتالية ورفع روحه المعنوية المنهارة تحت ضربات الثوار و التي أثقلت كاهله وميليشياته.

لم تسلم حمص الثورة من إجرام عصابة الاسد وإيران ومشاريعهما عليها بل كان لمخططات الغرب وحلفائه نصيب من مأساة أهلها ،إذ لم يكن صمت الغرب عن سياسات التجويع والحصار وجرائم نظام العصابة الحاكمة إلا استغلال للثورة من جهة واستغلال لعناصر الديموغرافية الطائفية التي صنعتها عصابة الأسد من جهة أخرى لتمرير مخطط  تم الاعداد له كإحدى الحلول المستقبلية يتمثل بتقسيم لسوريا تكون حمص فيه عاصمة الاقليم النصيري  .

 قادم الأيام ستدل إن كانت قد تقاطعت مصالح  الغرب وأمريكا مع مصالح إيران وروسيا في حمص الابية ، فالتحرك الدولي بغطاء أممي وتدخل إيراني لفرض تسوية  تؤدي الى تقاسم الكعكة الحمصية يؤرق ثوار حمص الأبية ، ويعطيهم القوة ليبقوا صامدين بفضل الله لا يضرهم من خذلهم معاهدين الله أن لا يبنى مجد طائفي على أنقاض أمجادهم .

بقلم النقيب عبد الله الزعبي

والله غالب على أمره

1 Reply to “الديموغرافيا الطائفية في حمص     ”

  1. يقول admin:

    رشيد حوراني: النظام الاسدي المجرم اتبع نفس سياسة انتشار المستوطنات التي اتبعتها اسرائيل في فلسطين.

اترك تعليقاً

scroll to top