الحرب النفسية والتأثير المعنوي

              العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة

 

تلعب الحالة المعنوية دوراً حاسماً في أرض المعركة لأن الإنسان بطبيعته خليط من المشاعر والعواطف المتلازمة مع حالة الفكر والعقل. ولا يبدأ الأثر النفسي والمعنوي بصيحة النصر ((الله وأكبر)) ولا تنتهي عند صياغة الحرب النفسية وأيديولوجيا التخريب النفسي لمعنويات العدو، وفِي عصرنا الراهن تَستخدم الأطراف المتصارعة الحرب النفسية على نطاق واسع لأنها الأقل تكلفة والأكبر أثراً.

وكما قال أحد خبراء الحرب النفسية ((يكفي لا خراج بندقية من أرض المعركة أن تشل الإصبع التي تضغط على الزناد)) إشارة إلى التأثير النفسي الذي يؤدي إلى حالة من الهلع والانهيار المعنوي والنفسي تجعل المقاتل يلوذ بالفرار أو يُلقي سلاحه دون أن تخسر عليه حتى لو طلقة.

هذا المبدأ برع فيه النازيون في الحرب العالمية الثانية ولشدة اهتمامهم بالحرب النفسية والدعائية أحدثوا وزارة لهذا الغرض تحت مسمى ((البروباغندا)) أو الدعاية التي ترأسها جوزيف غوبلز  )) أحد أهم مؤسسي علم الشائعات، كما استخدم الأمريكيون الحرب النفسية على نطاق واسع، وبشكل خاص في حروبهم الأخيرة في أفغانستان والعراق.

واليوم يستخدم النظام والروس الحرب النفسية بكثافة كبيرة ضد قوى الثورة والمعارضة، حاشدين لهذا الغرض الكثير من عناصر (الجيش الالكتروني التابع للنظام) ومناشير الحرب النفسية التي تُلقى على مناطق سيطرة الثوار، إضافة إلى أبواقه الدعائية ومنظريه الذين ما انفكوا يروّجوا لأكاذيب النظام وغاياته الدنيئة، وعلى سبيل المثال لا الحصر:

استخدم النظام شائعات الأمل الكاذب كمفخخات نفسية للإيقاع بالطرف الآخر حين روج الجيش الالكتروني للنظام لمقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني ((الذي يحرر القدس في سوريا)) مستفيداً من هكذا شائعة باتجاهين:

١- إعطاء أمل كاذب سرعان ما يتم نفيه فينعكس الأمر سلباً على الحالة النفسية والمعنوية للثوار.

٢- يتلقف الخبر إعلام الثورة وينشره وسرعان ما يظهر أن الأمر كاذب فيظهر الضعف الشديد في إعلام الثورة الذي هو بالأساس يقوم على الاجتهاد وعدم المهنية أو الاحترافية.

أيضاً استخدم النظام شائعات الأمل الكاذب في كثير من المسائل مثل مقتل ماهر الأسد، أو إصابة بشار الأسد بنوبة قلبية ودخوله العناية المشددة في مشفى الشامي ………. الخ، كما استخدم الحرب النفسية التخريبية التي تسعى إلى فك الحاضنة الشعبية عن الثوار من خلال المناشير الدعائية التي كان يلقيها.

إضافة إلى دخول عناصر من الجيش الالكتروني للنظام في صفوف الثورة تحت مسمى ثوري عبر وسائل التواصل الاجتماعي فيسبوك وغيرها من تطبيقات الهواتف الذكية، ولصق تهم بشخصيات ثورية عسكرية أو مدنية بغية دب الفتن والفرقة والانقسام في صفوف الثورة، ونجح في مواطن كثيرة بهذا العمل بسبب قلة الوعي، وغياب المؤسسة والعمل الموحد في صفوف الثورة، وأحياناً بعض المحسوبين على الثورة تلقف الخبر ولأسباب كيدية قاوم بالترويج له محققا مقصد النظام عن قصد أو دون قصد.

والشائعة هي الوسيلة الأكثر خطورة للحرب النفسية، وحتى تكون الشائعة مقنعة يجب الاعتماد على طابور من العملاء خلف خطوط العدو، أو في حاضنته الشعبية حتى تدرك ما الذي يفكر به عدوك وتأمن له الشائعة التي يروق له سماعها، أو تروج لحدث يقلقه ويتوجس خيفة من حصوله، وبذلك تكون سرعة انتشار الشائعة أكبر مما نتخيل لأن انتشار الشائعة يعتمد بالدرجة الأولى على لسان حال  العامة والكلمة الشفهية التي تفتقر إلى الدليل أو البرهان الذي يؤكد صحتها.

تستعر حرب الشائعات في زمن الصراع أكثر منه في زمن السلم، رغم أن الشائعة لا تقتصر على الجوانب العسكرية الميدانية، بل تتعداها لتطال الجوانب الاقتصادية والأمنية والسياسية، وقد تكون على شكل معلومة ما ، أو خبر، أو تنبئ بحدوث أمر ما، وأحياناً تأخذ طابع النكتة أو السخرية.

أما الشائعة على الصعيد الميداني العسكري فغالباً ما تكون بهدف تضخيم قوة الصديق، وإظهار ضعف العدو أو بهدف إثارة الفتن والفوضى في صفوف العدو وإشغالهم عن الهدف الأهم بأمور ثانوية ليسهل الفتك بهم.

والحرب النفسية والإعلامية كظاهرة من مظاهر التعامل النفسي هي أعلى فنون الحرب، وهي عدم القتال على الإطلاق، بل تخريب أي شيء ذو قيمة في صفوف عدوك حتى يأتي الوقت الذي يكون فيه إدراك عدوك للحقائق مختل لدرجة أنه لا يراك عدواً له.

ومستويات الحرب النفسية لا تختلف إطلاقاً عن الحرب التقليدية فهي عمل في المستوى التكتيكي و العملياتي والاستراتيجي، وأحياناً تأخذ طابع طويل الأمد بسعيها نحو التحويل العقائدي (جعل الطرف الآخر يتخلى عن عقيدته) أو غسل الدماغ والتسميم العقائدي أو السياسي.

وهذا غالباً ما يستخدم مع الأسرى حيث يحول الأسير لاحقاً إلى إنسان يُؤْمِن بعقيدة طالما أنني أحملها وأدافع عنها حتى يكون رصيداً لي بين صفوف مجتمعه عند تبديل الأسرى (( الأسرى الأمريكان بين عامي ١٩٥١ – ١٩٥٣  )) الذين وقعوا بأيدي الكوريين في الحرب الكورية أصبحوا مؤمنون بالمذهب الشيوعي وعملوا على الترويج له في بلادهم بعد تحررهم من الأسر.

تستخدم الحرب النفسية وسائل:

١- الدعاية بأنواعها.

٢- الشائعات.

٣- ارهاب الطرف الآخر.

٤- ضغوط سياسية.

٥- حرب اقتصادية.

٦- التخريب.

٧- الحصار ……… إلخ.

ولا تسعى الحرب النفسية في الميدان إلى الإقناع بل جلّ خطابها يكون مركزاً على حالة العاطفة، وتحريك مشاعر الخوف والحذر والترقب وغير ذلك من مشاعر تكون هي الأقوى في حالة الشدائد وسرعان ما ينساق المقاتل وراءها خوفاً من الموت أو طمعاً بالعفو، وبشكل خاص ذلك المقاتل الذي لا يملك العقيدة أو المقاتل المرتزق لأن الحرب النفسية تحقق نجاحاً باهراً لأن أول من يتم اغتياله في الحروب هي الحقيقة.

اترك تعليقاً

scroll to top