الثورة السورية والمتغيرات الدولية (2)

النقيب محمد علوان

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة 

– بدأت الحقائق في سوريا تتكشف بسرعة، و أخذت التجاذبات الدولية بالانجلاء شيئا فشيئا، و ما كان مادة دسمة للمحللين السياسيين على وسائل الإعلام؛ أضحى واقعا ملموسا مع  بداية تبلور المشهد الحقيقي لما آلت إليه الأوضاع  في سوريا، و إن كنا سننتظر شيئا فإننا سننتظر الخاتمة التي أوشكت أمريكا على الانتهاء من صياغتها بعد أن أمّنت مناطق نفوذها المتخمة بحقول النفظ و الغاز  ، فحصول الولايات المتحدة الأمريكية على مصالحها النفطية في سوريا هو السبب الرئيسي الذي يكمن وراء إمكانية  تبدل موقفها السياسي اتجاه الثورة السورية، ومن هنا ستبدأ سلسلة التحولات و المتغيرات في مواقف جميع الدول المؤثرة في الأزمة السورية تماشيا مع الواقع الحالي الذي سيفرضه الموقف الأمريكي الجديد، و روسيا هي أولى الدول المعنية بتغيير موقفها بشكل يتناغم مع المناخ  السياسي الذي ترسمه كما أسلفنا الولايات المتحدة الأمريكية ، فهي – أي روسيا – شريكة أمريكا الاستراتيجية في تقاسم موارد النفظ في  سوريا، و شريكة إيران في تقاسم المقسوم لها من الثروات النفطية شمال الفرات .

أبرز هذه المتغيرات الدولية:

اولا – الولايات المتحدة الأمريكية : تسعى للحفاظ على مصالحها في المنطقة الشرقية التي حصلت عليها بأقل الخسائر المادية و العسكرية، و هذا يتطلب منها إنهاء حكم بشار الأسد الموالي المطلق لروسيا ، فبقاؤه بات يشكل خطرا على مصالحها، وآبار النفظ و حقول الغاز التي سيطرت عليها أمريكا مؤخرا أضحت جزء من أمنها القومي، و ليست تلك البقع السوداء على خريطة توزيع السيطرة في المنطقة الشرقية سوى نيران أمريكية – ذات طابع مخابراتي – تستخدمها في الوقت التي ترى أن هناك خطرا وشيكا على أمنها القومي ( منابع النفظ)، كما فعلت  منذ شهرين عندما شنت داعش هجوما كاسحا على قوات النظام في المنطقة الممتدة من دير الزور حتى مدينة القريتين في شرق حمص، فكان ذلك الهجوم رسالة لروسيا مفادها ” لا تعبري إلى شمال الفرات ، حيث مصالحنا “.

ثانيا – روسيا: يميل الموقف الروسي إلى إنهاء الصراع في سوريا، محاولة بذلك الحد من خسائرها المتزايدة، وهي:

1- الخسائر الفادحة بالقوى البشرية والعتاد بما فيها الطائرات.

2- خسائر منابع النفظ في سوريا، بعد أن سبقتها إليها الولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة غباء السياسة الروسية.

3- الخسائر المادية و الاقتصادية التي خلفها تدخلها العسكري المباشر في سوريا، و التي لم يعد لها مبرر بعد الآن .

و بهذه الخسائر فإنه لا مفر لروسيا من القبول بالإملاءات الأمريكية التي بدأت تفرض رؤيتها من خلال تصرفاتها السياسية و العسكرية البعيدة و المباشرة، وليست التصريحات الروسية الداعمة لنظام الأسد – بما فيها مفاوضات سوتشي المزعومة – سوى صرخات تحاول من خلالها روسيا يائسة؛ الحصول على مكاسب أكثر من التي تود أمريكا منحها إياها .

ثالثا – تركيا : بعد أن دخلت قواتها العسكرية  إلى إدلب و مناطق في شمال حلب، تسعى الآن تركيا للسيطرة على أهم بؤر الانفصاليين الكرد في عفرين، و تجدر الإشارة إلى أن تركيا هي الآن في أفضل أحوالها ، فيبدو أن شهور العسل التي قضتها ميليشيات البي واي دي و البي كي كي قد اقتربت من نهايتها، فلا أمريكا باتت بحاجة إلى قوة استيلاء، و لا روسيا  بحاجة إلى شماعة استفزاز و ابتزاز بعد تقاربها المتنامي مع تركيا، و ربما إدراك قسد – الميليشيا الأم للانفصاليين-  لهذه النتيجة الحتمية جعلها تصرح بأنها قد تنضم لقوات نظام الأسد بعد إجراء مصالحة معه .

رابعا -إيران: لا تملك أن ترفض أو تقبل بأي شيء، فالإجماع العربي الدولي على قطع أذرعها الخبيثة في الوطن العربي بات وشيكا بل بدء فعليا تطبيقه من خلال:

1- عزل حزب الله في لبنان، وضعه على قوائم الإرهاب الأمريكية والعربية.

2- استعادة صنعاء اليمنية من الحوثيين ” الذراع الأطول لإيران ” وعودتها إلى محيطها العربي.

3- الضربات الصاروخية والجوية التي تتعرض لها المنشآت والقواعد الإيرانية المستمرة في سوريا.

4- الضغط الدولي بتفكيك ميليشيا الحشد الشيعي في العراق و أجماع معظم الدول على عدم الاعتراف بها.

خامسا – الدول الأوروبية: مازالت تنظر إلى الأزمة السورية باعتبارها قضية لاجئين لا أكثر مع محاولة تحقيق بعض المكاسب من خلال إنشاء بعض القواعد العسكرية لها في سوريا، كالقاعدة العسكرية البريطانية جنوب سوريا والقاعدة الفرنسية في المنطقة الشرقية، ومع تحقيق ذلك تبقى قضية اللاجئين هي الأهم بالنسبة لهم، فالموقف الغربي يصب في هذه المرحلة في إعادة اللاجئين إلى سوريا بعد أن تم الاحتفاظ بمن يعتقدون أن بقاؤه يشكل فائدة لهم، كأصحاب العقول والنخب مثلا.

سادسا – السعودية: تنظر الدول العربية- وخاصة السعودية – إلى الثورة السورية من خلال الخطر الإيراني المهدد للأمن القومي العربي، وتطور الموقف العربي يتناسب مع تطور الخطر الإيراني الذي بلغ ذروته مع إطلاق الحوثيين لصاروخ بالستي أصابت شظاياه أراضي المملكة العربية السعودية التي بدأت تتخذ خطوات أكثر جدية وحزم لبتر أيادي إيران في المنطقة العربية، وهذا ما رأيناه في صنعاء وقد نراه قريبا في دمشق بعد الإجماع الذي أسلفت ذكره.

– في النهاية، نجد أن المؤثرين في الأزمة السورية وصلوا إلى قناعة مفادها أن الحل السياسي من دون نظام الأسد هو الطريق الأمثل للحفاظ على مصالحهم في سوريا، فبقاؤه يضع مصالح الجميع في خطر من خلال الإفرازات العكسية التي تتشكل نتيجة أجرامه المفرط بحق الأبرياء، وهذا ما لا يرغب به أحد من المؤثرين، و إن صح كل ما سبق فهذا يعني أن روسيا ستكون على موعد تعلن فيه عن تخليها عن نظام الأسد أو مقايضته بحقل العمر النفطي بأحسن الأحوال.

 

بقلم النقيب محمد علوان

اترك تعليقاً

scroll to top