الثورة السورية والانتقال إلى ٢٠١٨م

 

بقلم العقيد الركن مصطفى الفرحات

 

تترحل الملفات مشفوعةً بعناد اللاعبين إلى العام ٢٠١٨م، سيد الكرملين بوتين يُلقي خطابه السنوي المعهود مع قليلٍ من نشوة الانتصار العسكري المزعوم على داعش، ساعياً نحو حلم ست سنوات أخرى على رأس الهرم وبقبضته الأجهزة الأمنية، فهل سيكون طريقه معبداً إلى ذلك؟

والذاكرة لم تنسَ بعد الخطاب السنوي الفائت له حين قدم نفسه منتصراً في معركته السورية، وأن قواته أنجزت مهامها هناك، وأنه أعطى الأوامر بسحب الكتلة الرئيسيّة من هذه القوات.

وكانت الحقيقة أن المعركة لم تنته، وأن الحديث عن نجاح عسكري سابق لأوانه، وأن الأزمة السورية مستمرة طالما التسوية العادلة غائبة عنها، وأن الحديث عن سحب القوات الروسية قد لا يعدو أن يكون تكتيك استبدال مجموعات أُرهقت بأخرى لم تنزل إلى حلبة الميدان بعد.

وإذا كانت داعش قد هُزمت حقاً فمن الذي سينتشي بالنصر؟! والكل يدعي أنه كان رأس الحربة في محاربتها، من تحالف واشنطن؛ إلى موسكو ومابينهما.

المشكلة أننا الْيَوْمَ أمام ملفات شائكة ومعقدة للغاية، ومايزيد الأمر تعقيداً هو تردي الحالة العربية الذي أغرى أصحاب الأطماع العدوانية التوسعية للاستثمار في المستنقع العربي الذي استجلب شتى أنواع البعوض والحشرات فدفعت ايران بأذرعها الطائفية لتعبث بأمن العواصم العربية وتكون رأس حربة لها في هذه العواصم، ولَم يعد خافياً على أحد استكمال إيران لهلالها الفارسي من قم إلى الضاحية الجنوبية مروراً ببغداد ودمشق، ناهيك عن اليمن الذي أصبح مرتعاً للحوثي الذي ضحى بالرئيس علي عبدالله صالح كاشفاً بفعلته هذه عن حقيقته كعصابات طائفية تدور في فلك مشغلها الإيراني، وهو الوضع الذي التبس على الكثيرين حين كانت قوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح تقاتل جنباً إلى جنب مع تلك العصابة التي لم تخجل من إشهار تحالفها مع إيران وعدائها للعرب وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية التي لازالت تتلقى صواريخ الحوثي المنطلقة بإيعاز إيراني.

وليس الحال بأفضل في لبنان حيث يستمر حزب (الصنيعة الإيرانية) في أخذ هذا البلد رهينةً بعيداً عن محيطه العربي.

هذا الوباء الصفوي الفارسي الإيراني الذي تسلل إلى الجسد العربي المريض أصلاً، لم يعد يشكل خطراً على العرب والإقليم فقط بل أخذ ينافس الحليف التقليدي (روسيا) في ملفات المنطقة، وبشكل خاص الملف السوري المعهود دولياً للروس، وهذا ما يفسر فتور التعاطي الروسي الأخير حيال استهداف تل أبيب المتكرر لمواقع حلفاء طهران في سوريا.

فضلاً عن أن هذا الوباء الإيراني أصبح يثير انتباه اللاعبين الكبار لمحاولات طهران المتكررة في طرق باب نادي الكبار الذي مازال موصداً في وجه الحلم الفارسي، فإيران لاتزال بنظر الكبار على أنها وليد معاق لا يمكنه السير وحيداً لولا المساعدة الروسية.

وأن هذا الوليد لم يرَ النور من خلال علاقة شرعية بل بزواج المتعة بين روحاني بوتين الذي أنجب هذا الوليد الخارج عن القوانين والضوابط الدولية.

هذه النظرة الدولية لإيران مستمرة على الأقل حتى الآن ليس فقط بسبب محاولات دخول نادي المنافسة الدولية دون رصيد بل بسبب مراوغتها التي عانى منها الغرب مطولاً في موضوع ملفها النووي.

ورغم كل هذه التعقيدات لاتزال مؤشرات الحل السياسي للقضية السورية قائماً على الأقل ما لمسناه من تصريحات بوتين الأخيرة خلال قمة سوتشي حين قال (( إن أطراف الأزمة السورية يجب أن تقدم تنازلات بمافيها الحكومة السورية )) لذلك كانت ثقة بشار الأسد بالروس الذين يتعاملون معه كمرابع لدى صاحب الملك ليست كثقته بالجانب الإيراني، وكلنا يعلم أن بقاء النفوذ الإيراني بسوريا مقروناً ببقاء نظام بشار الأسد عكس الروس الجاهزين لمساومات الربح والخسارة في التعاملات الدولية.

لذلك فإن تمترس أطراف النزاع ((وفد النظام ووفد الثورة)) كلٌ في مكانه سوف لن يطول إذا ما استمر اللاعبين الدوليين بالدعوة لإقفال المحضر السوري، وبشكل خاص مع إعلان الولايات المتحدة الأمريكية بقائها في سوريا إلى حين التوصل إلى الحل والتغيير الحقيقي، لهذا ولغيره ستكون موسكو مضطرةً لتتويج ما تزعم أنه نصر عسكري بانتصار سياسي ينهي حقبة أرهقت كافة اللاعبين.

ولأنها دون القبول بهذا الاستحقاق لن تفلح أبداً، وهي أمام خيارات صعبة جداً، إما سياسة المحرقة المستمرة وفرض منطق القوي والمهزوم، وهذا أقرب إلى الحلم وإما التضحية بالخروف ( بشار ) الذي أصبح بقائه أشبه بالمهزلة الكبرى، وبشكل خاص أنها أصبحت على قناعة كما يقتنع معها العالم أجمع أن صبر السوريين ليس له حدود، فبالرغم من كل ما تعرض له السوريون من عذابات ما يزال إصرارهم مستمراً على المضي حتى النهاية، وخفض التصعيد الذي يتعرض كل يوم للخروقات أصبح ينظر له السوريون على أنه توفير للذخائر التي أصبحت شحيحة في مخازن العدوان.

ورغم يقين السوريين بأن القوى الكبرى عهدت بالملف السوري للروس الذين يأخذون الْيَوْمَ دور الخصم والحكم، وأن دعم الفصائل أصبح هامشياً وأن سياسة الطرد المركزي نحو الحل السياسي هي السائدة الْيَوْمَ.

وصحيحٌ أن هناك من الخلافات البينية في معسكر الثورة الكثير إلا أن الإصرار والعزيمة لن تنضب، وأن الحالة الصحية أن تنجلي الحقائق وبشكل خاص أمام من وظف نفسه فقط للنقد بهدف النقد.

وبناءً عليه احتفظ الثائرون بالبندقية مع قبول استحقاقات الحل السياسي العادل الذي شكل حرجاً لوفد النظام،

حيث استشعر النظام خطر المفاوضات على بقائه فهو يسعى نحو المماطلة والتهرب من هذا الاستحقاق، وهذا ما فسر انسحاب وفد النظام من مفاوضات جنيف الأخيرة، ساعياً مع حليفه الروسي نحو سوتشي الهادفة للالتفاف على قرارات الشرعية الدولية وتمييع الحلول.

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top