التحالف العربي التركي أمام شرطي الموت الإيراني وإغراءات الغرب

 

يمكن للمتتبع في الشأن العربي والدولي اعتبار غزو العراق واحتلاله من قبل الإدارة الأميركية في العام 2003 بداية فرط السبحة العربية، وإعادة رسم خارطة منطقة الشرق الأوسط ،بالاعتماد على الشرطي الإيراني ،إضافة إلى الإسرائيلي بما عُرف لاحقاً بمصطلح (الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة) الذي نادت به وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس في 2005، والذي تكمن خطورته في تفريغ العالم العربي من كل قدراته العسكرية التي بنيت من دم وقوت الشعوب العربية ،بغية تحرير فلسطين والقضاء على الاحتلال، وزج المنطقة في صراعات أثنية وطائفية لاحقاً لنسف ثورات الربيع العربي .

إيران التي أنهكتها حرب الثمان سنوات الخاسرة مع العراق ،برزت برضى الولايات المتحدة كـ(شرطي الموت) بعد احتلاله. ويمكننا اعتبار لقاءات المسؤولين الإيرانيين والمفوض السامي الأمريكي بول بريمر والقيادات العراقية الجديدة التي حملتها الدبابات المحتلة ،بداية رسم عراق جديد مختلف عن محيطه العربي والإسلامي اتخذته منطلقاً لتمددها الفارسي في المنطقة.

لقد عزز احتلال العراق النفوذ الإيراني في المنطقة العربية ذات الغالبية السنية، لذلك بدأت تدفع ميليشياتها الشيعية المتطرفة للانفراد بالسلطة في العراق ،ثم المنطقة العربية بقبول أميركي ضمني نتيجة ضياع وتشتت الدول العربية، واعتبار أميركا للسنة منبع الإرهاب العالمي فتقدم حزب الله ،ومن خلفه ربيب طهران نظام الأسد ،حامي حدود إسرائيل إلى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في عام 2005 لتقضي بذلك على ورقة وطنية سنية اجتمع حولها اللبنانيون وحتى السوريون بعدما أعاد الحريري بناء لبنان الدولة بمؤسساته وهيئاته التشريعية المختلفة ،حتى انفرد الحزب بدولته العميقة في الضاحية الجنوبية ضمن الدولة اللبنانية. ويبدأ بفرض الامر الواقع الذي تجلى بحرب الظهور والتلميع في 2006 مع إسرائيل التي دمرت مدننا وقرى وخدمات لبنانية ،عمدت حكومات الحريري السابقة على إقامتها وقتلت مئات المدنيين الأبرياء.

استمرت إيران وتحت شعاراتها الممسوخة (الموت لأميركا) (الشيطان الأكبر) في قلقلة العالم العربي دون أن تتخذ الولايات المتحدة أي تصرف فعلي تجاهها ،بل في حالات كثيرة بررت لعملاء إيران مواقفهم في إثارة الفتن ،ضاربة بعرض الحائط تداعيات ذلك على حلفائها (السابقين) في المنطقة (دول الخليج)، فعززت طهران تحريك وتنشيط ميليشياتها في العراق واليمن والكويت والبحرين والسعودية ولبنان تحت مبدأ حقوق الشيعة ،كما استقطبت قيادات من حماس لتزعزع وتنسف جوهر القضية الفلسطينية وتبادلت رسائل علنية وسرية مع الانقلابيين على الثورات العربية.

لقد كانت انطلاقة شرارة الربيع العربي في تونس بحرق محمد البوعزيزي نفسه، وانتشار الفكر التحرري من جديد في كل العالم العربي كانتشار النار في الهشيم سبباً في تعجيل خروج الأمريكان من العراق نهاية 2011 وتسليمه بشكل كامل للإيرانيين لينكشف الغطاء عن الدور الحقيقي لها بعد كل تلك السنوات.

نعم كان العرب في غفلة من أمرهم يعلّقون آمالهم بأحبال حليفهم الواهية ،لذلك استغلت أمريكا صدقهم في تعاملها، كما استغلت خبث وكذب وخداع الإيرانيين لزرعهم كخنجر مسموم بطرق مختلفة لتُنفذ من خلالهم مخططها في إنتاج الشرق الأوسط الجديد بأيادِ فارسية. تعيد تفتيت العالم العربي المتفتت أصلاً وتنسف ثوراته الحقيقية التي قادها الشعب للتخلص من حقبة الظلم والاستبداد والطغاة وعملاء الاستعمار.

إن طمس الهوية العربية للعراق منذ 2003 وتحويلها إلى منبر للّطم، وذكر مظلومية الحسين ،ثم تهجير المسيحيين واليزيدين من سكانها الأصليين، وقتل السُنة الممنهج بدون أي وازع أخلاقي من قبل ميليشياتها المتمثلة بالحكومة العراقية وأزلامها ،ثم تطبيق ذات النهج تحت شعار لن تسبى زينب مرتين من قبل حزب الله ولواء أبي الفضل العباس ولواء الرضا الشيعي وغيرهم من المرتزقة الذين جندتهم في سوريا ،وتحريك جماعة الحوثيين في اليمن للانقلاب على الشرعية والمبادرة العربية الخليجية ،ثم تدمير اليمن ومحاصرة السعودية من الجنوب والشمال ،وتحريك أصابعهم في البحرين لقلب نظام الحكم ،وتنفيذ هجمات متعمدة في مساجد ومراكز شيعية في الكويت لزرع الفتنة يؤكد أن الضوء الأخضر من المرحلة الثانية في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد الأمريكي باتت جلية على أيدي إيرانية.

إن الاتفاق النووي الإيراني ومجموعة 5+1 هو شارة الشريف (كما في أفلام الكاوبوي الأمريكية) التي غالبا ما تعطى للأكثر إجراما لبسط السيطرة والنفوذ، فمنع امتلاكها للسلاح النووي لسنوات عوضته بدور شرطي الموت في المنطقة والذي سيضمن لها عوائد اقتصادية وقوة عسكرية ودينية تضاهي كل ما كانت تحلم به من سلاح نووي، كما أن البليارات التي ستحصل عليها عند رفع العقوبات ستكون كفيلة بفرض واقع جديد على دول المنطقة التي ترزح معظم دولها تحت وطأة الديون والفساد والمحسوبيات ،فضلاً عن أن أي نجاح لميليشياتها في دعم الثورات المضادة فيما لو تم بسوريا أو العراق أو لبنان أو اليمن سيكون موضع قدم لها للأمام.

هنا تكمن فرصة العرب وتركيا الأخيرة باعتبارهم الأطراف المتضررة من نفوذ وتمدد إيران في المنطقة ،فبالنظرة إلى الخريطة القائمة اليوم يُعتبر أي تغير ديمغرافيأ و ديني في سوريا والعراق خطرا على القومية والجغرافية التركية ، وعلى الدولة التركية القائمة ، وسبباً رئيسياً في نشوب صراعات أثنية جديدة يرغب العالم بجر تركيا إليها لإضعافها ونسف إنجازاتها الاقتصادية ،وقفزاتها النوعية في الصناعة والسياحة والزراعة في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، وهو ما يفسر اليوم قصف الطائرات التركية لمواقع حزب العمال الكردستاني وتنظيم الدولة، كما أن تغير ديموغرافي أو ديني في اليمن والعراق سينعكس مباشرة على المملكة العربية السعودية القوة الحقيقية في دول مجلس التعاون الخليجي، ما سيدفع بالأقليات التي تدعمها إيران للمطالبة بتغيير بنية حكم هذه الدول ،الامر الذي سيهدد وجودها لاحقاً .لذلك نجد أن تركيا اتخذت إجراءات وتعزيزات عسكرية على طول الحدود السورية، وكذلك دفعت السعودية ودول التحالف بكل قوتها لتحقيق انتصارات على الأرض في اليمن كانت فاتحتها تحرير عدن من أيدي الحوثيين.

إن الوقوف بوجه شرطي الموت الجديد (إيران) الذي كلفته الولايات المتحدة يحتاج لتكاتف العرب وتركيا لخلق قوة اقتصادية وعسكرية مؤثرة على الساحة الدولية، فالتحالف العربي التركي في كل المجالات قد يكون الأنجع والأكمل للطرفين ولشعوبهم من كل إغراءات الغرب.

مصعب السعود

اترك تعليقاً

scroll to top