الاقتراب من المحظور

 

 

العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة

عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب والاُدباء السوريين الأحرار

 

الفصول البهلوانية واستعراضات القوة التي شهدها المسرح السوري في الآونة الأخيرة لم تأتِ عبثية، لقد سعى كل طرف إلى إيصال رسالته التي تتضمن أقصى ما يستطيع من عناصر القوة تحت النووية.

فإسقاط الطائرات المتبادل، واستهداف إسرائيل ليس للطائرة المسيرة الإيرانية فقط، بل لمركز القيادة والتوجيه الذي يتحكم بها كان له دلالة التفوق النوعي الكبير في وسائط الصراع  ، إذ كان اللاعب الإيراني يعتقد أن اسرائيل ستخسر صاروخ متطور مقابل طائرة مسيرة، لكن أن يكون الرد بدقة ملاحقة الإشارة اللاسلكية وتدمير مقر السيطرة والتوجيه بقانون ( قذيفة  تساوي هدف) فهذا التعقيد التكنولوجي كان مباغتاً لذهن صانع القرار الإيراني لدرجة أنه وقف عاجزاً عن رد الهجمات الجوية المتلاحقة التي أعقبت الحدث والذي ترافق مع الصمت الروسي الذي حير الحلفاء. هذا الانعطاف بتسخير القوة من الوكيل (النظام) إلى الأصلاء كان له دلالات كبيرة لم تتوقف عند الضربات الإسرائيلية للمواقع الهامة في سوريا، أو عند إسقاط طائرة روسية أو استهداف المرتزقة الروس شرق دير الزُّور من قبل واشنطن، بل سيكون للأمر تداعيات أبعد من ذلك بكثير، وقد نكون على أعتاب الحرب الكونية الثالثة إذا لم تعود الأطراف إلى رشدها.

إن مساحة صغيرة بحجم سوريا تمركز فيها كم هائل من القوى الدولية ومن جنسيات مختلفة بدءًا من موسكو وصولاً إلى واشنطن مروراً بإيران وتركيا وبريطانيا وفرنسا، ناهيك عن الميليشيات المختلفة المذاهب والمشارب من حزب الله اللبناني والأحزاب الشيعية العراقية والافغانية و …… و ….. إلخ وبما تحمله هذه القوى من تطلعات نحو النفوذ والمكاسب، أيضاً والإيديولوجيات القومية والدينية وغيرها.

كل هذا الكم من التناقض يشي بأن استمرار سياسة التطويق والاحتواء للأزمة، وسياسة الرضى عن التحاصص القائم للكعكة السورية قد لا يستمر طويلاً.

ومتى كانت الوحوش تقتنع بحصصها من الفريسة؟؟؟؟

ومن الواضح أن العرب المتضرر الأول من كل ما يجري أصبح دورهم هامشياً في مسألة تخصهم فمع انجراف اللاعبين الكبار إلى حافة المستنقع السوري أخذت الأمور بالذهاب باتجاه آخر.

قد يندرج في إطار التصعيد أيضاً إيقاظ الفتنة التي كانت نائمة بين القطبين واشنطن وموسكو، وذلك حين وجه  (روز شتاين) نائب وزير العدل الأمريكي الاتهام للروس بالتدخل في الانتخابات الأمريكية الأخيرة مطالباً بفرض عقوبات على الروس.

وأيضاً توجيه (ماكماستر) من منبر مؤتمر ميونخ للأمن أصابع الاتهام للروس والإيرانيين معاً بالتواطؤ في استخدام النظام للسلاح الكيماوي.

أيضاً هذا له مدلولاته المتزامنة مع ما حصل من التصعيد الأخير في سوريا، مع أن الكثير من المراقبين يعتقدون أن سوريا ليست في دائرة اهتمام واشنطن وأن المسرح السوري كان على الدوام يتجه شرقاً أكثر من أي اتجاه آخر.

لكن الاعتقاد السائد الْيَوْمَ أن التدخل الأمريكي في سوريا رغم خطورته فهو لم يقفز فوق الحقائق التالية:

أ – تبعث واشنطن بالرسائل إلى الفرقاء على أنها ماتزال القوة الأولى والمتحكم الأول بمفاتيح الحلول والصراعات الدولية.

ب – ضمان عزل تركيا عن العمق العربي والإسلامي من خلال استغلال بعض الأحلام الانفصالية، وإنشاء كيان شبه دويلة لمليشيات محلية مثل ال pYD )) لاستثمارها لاحقاً في قضايا أخرى.

– ضمان استنزاف الخصوم (روسيا وإيران) لأبعد حد وأطول فترة، الأمر الذي قد يؤدي لاحقاً إلى غليان لشعوب البلدين ضد حكامهم على خلفية الخسائر المادية والبشرية، والوصول إلى مرحلة إفقار الشعب كما حصل في ايران مؤخراً، ما قد يسبب انتقال العدوى إلى الحليف الروسي (بوتين) الذي أصبح مهدداً مع قرب انتخاباته الرئاسية في ١٨ آذار المقبل، وبشكل خاص مع تزايد عدد الجثث الروس الذين يصلون إلى ذويهم هناك.

فهذه الطرق من الاستنزاف وغيرها ستضمن بقاء واشنطن متربعة على عرش السيادة الدولية وهي تلامس تعقيد المسألة السورية من حافته البعيدة حتى الآن.

أما الغائب الحاضر في هذا كله (إسرائيل) التي أدركت أن استثمار إيران في الملفات الإقليمية تجاوز الحد المسموح به من خلال السيطرة على أربع عواصم عربية هي (بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء) مما جعلها تعود إلى عين العاصفة وإلى دائرة الاستهداف والتحجيم (الامريكي، الإسرائيلي).

لهذا وغيره اعتقد بعض الساسة أن سوريا الْيَوْمَ أصبحت المكان الأخطر عالمياً، وقد تفوقت في خطورتها على شبه الجزيرة الكورية التي كانت تحتل المركز الأول من حيث إمكانية نشوب حروب كبيرة.

فالوضع السوري على حافة البركان الجاهز للانفجار في أية لحظة.

لكن ما يُؤجل هذا الاشتعال رغم مرور سبع سنوات على الحرب الدائرة هناك هو أن كل طرف يريد فقط زيادة مكاسبه والتقليل من نفوذ خصومه عبر تعريض أقل عدد ممكن من جنوده للخطر باستخدام سلاح الجو وترك أمر المعارك على الأرض لحلفاء محليين، ذلك لأن دروس التاريخ ماثلة للعيان!!!

فروسيا تعلمت من درس أفغانستان، وإيران تعلمت من الحرب العراقية الإيرانية، وإسرائيل من حروبها الأخيرة وبشكل خاص في غزة، والولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، كما أن شعوبهم لن تتسامح مع أعداد كبيرة من توابيت الجنود القتلى بأي معركة برية في الشرق الأوسط، خاصة أن بوتين يريد أن يقنع الروس بأنه أعاد روسيا إلى مصاف القوة العظمى بأقل التكاليف والخسائر البشرية، وذلك لكسب ود الناخب الروسي في الانتخابات الرئاسية التي أصبحت على الأبواب.

أضف إلى ما سبق فإن القوة التي ستتبنى النصر في سوريا ستكون أمام استحقاق استتباب الأمن فيها، والجميع يدرك أن التراب السوري كان عبر التاريخ دائماً عصياً على الغزاة، وأن أهل سوريا يقاومون لدرجة أنهم أثبتوا أن العين يمكن أن تقاوم المخرز.

شعب تجرد من كل عوامل الخوف…

شعب آمن بهدفه واستعد للتضحية وللسير حتى النهاية…

شعب لن يعود دون الحصول على حريته، وبالتالي فإن هذا التحدي أربك صناع القرار واللاعبين الدوليين على التراب السوري.

 

اترك تعليقاً

scroll to top