الائتلاف الوطني السوري عقليات وخلفيات

 

د محمد حاج بكري

       قد نتفق مع بعض الأصوات التي تقول بأن بناء المجلس الوطني وبعده الائتلاف تم بشكل توافقي فرضته ظروف مرحلة التحرير، ولكننا نختلف تماماً مع القول بأنه تم اختيار عناصر بنائهما بالطريقة ذاتها، باستثناء قلة قليلة تحظى بقبول معظم السوريين، في حين انضم غيرهم بطرق مختلفة، منها على سبيل المثال الهروب إلى الخارج تجنبا لمواجهة النظام، الذي اعتبر بطولة سوغت انضمام صاحبها إلى المجلس، ومنها أيضاً ضم أعضاء قيل إنهم يمثلون مدنهم ومناطقهم دون استشارتهما. وهناك كذلك رواد فنادق جاؤوا من الخارج، بعد ظهورهم على قنوات فضائية خلال فترة كان فيها قبول عام لأي صوت سوري ضد نظام الأسد. هؤلاء أصبحوا بدورهم قادة ثورة وتحرير، وصاروا يبحثون عن ضالتهم القديمة: حياة البذخ، ولكن من أموال وعلى حساب الشعب السوري.

لنتفق على أن خلفيات أعضاء الائتلاف متنوعة، وأن بعضها نفعية لا تخدم غير أصحابها وأن الغائب الأكبر عنها هو المستوى العلمي والثقافي، والكفاءة والخبرة، بل أن الوطنية والثورية غابتا أيضا عن بعضهم، لذلك يوجد شك كبير لدى قطاعات واسعة من الشعب السوري في وجودهما عند عدد غير قليل منهم، قد يكون بينهم متعلمون لكن فكرهم تكلس نتيجة عدم مواكبتهم طيلة السنوات الماضية لما وقع من تطور في العلم والعالم ، مثلما هو حال بعض من نستمع إلى آرائهم ونرى تصرفاتهم من شخصيات الائتلاف.

كم كان مهما أن يطّلع السوريون على الطرق التي يتم بها نقاش القضايا التي تطرح على الائتلاف، ليتعرفوا عليها وعلى خلفيات الأعضاء الثقافية واتجاهاتهم الفكرية والسياسية، ويُسهموا في نقل الحقائق إلى الشعب السوري. لكن ذلك لم يتحقق للأسف، رغم المطالبة المتكررة بأن تسود الشفافية عمله، ويعرض اجتماعاته عبر وسائل الإعلام، إلا أن جلساته ما تزال تتسم بالسرية، الأمر الذي يجعلنا نتعرف إلى عقلياتهم من خلال قراراتهم.

بالنظر إلى عيوب النشأة التي صاحبت الائتلاف، وخلفية بعض أعضائه غير الوطنية، بالضرورة، والسكوت عنهم، الذي يرجع إلى ظروف مرحلية دقيقة، وبما أنهم فشلوا في هذه المرحلة، وصار الانتقال إلى مرحلة بناء سورية ضرورة ملحة، فإننا نجد أنفسنا في أمس الحاجة إلى كفاءات تؤسس لبناء سورية المستقبل كدولة ديمقراطية تضمن حقوق الإنسان وحريته، ينبذ الجميع فيها كل ما يثير النعرات والفتن أياً كان نوعها، ويتعامل أفرادها بروح التعاون بعيداً عن سياسة الإقصاء والتهميش.

لا نعتقد أن جميع أعضاء الائتلاف قادرين على المساهمة في تحقيق هذا، لأن بعضهم مازال مكبلاً بإرث ثقافي تعود عليه طيلة سنوات حكم الأسد، كعدم الاستماع للرأي الآخر، ورفض النقد ومبدأ الحوار، والانفعال والرد بعنف على مخالفيه الرأي، والتسرع في إطلاق الأحكام، والتفرد بإصدار القرارات غير المدروسة، وتحويل العمل من أجل الدولة الديمقراطية الموعودة إلى مجرد كلام، والقيام بأفعال تنم عن ديكتاتورية مطلقة. بالإضافة إلى الفشل على كافة المستويات خلال خمس سنوات واتيان بعضهم بممارسات صبيانية كضرب بعضهم البعض أمام كاميرات التلفاز، وعلى مرأى من العالم. هذه الصفات مجتمعة، تجعل من الصعب إيكال أية مهمة إليهم، وتكليفهم باتخاذ قرارات قد تكون مصيرية، ومن المحال أن يلعبوا دورا إيجابيا في التأسيس لمستقبل سورية. وكي لا نتحدث من فراغ، فإننا نسأل أعضاء الائتلاف عن الدراسات التي انجزوها، والاستشارات التي قدموها، وماهي انجازاتهم الوطنية، غير الشخصية ، التي حققوها؟.

لا عجب أن قرارات الائتلاف اتسمت بالبدائية وافتقرت إلى الحكمة والدراسة التي تتطلبها قضية الشعب والثورة السورية في القرن الواحد والعشرين، والتي سبق أن التنبيه إليها في مقالات سابقة ، لذلك نقف  كشعب سوري مع الائتلاف كفكرة ومؤسسة، وضد معظم أشخاصه، ونرى من واجبنا المحافظة عليه ،خاصة بعد اعتراف اكثر من مائة وعشرون دولة به، لكننا لسنا مع بقاء تركيبته الحالية ، ونطالب بإيجاد طريقة لترحيل من لا يستحقون عضويته ، وقال السوريون فيهم كلمتهم، وطلبوا منهم الرحيل مرارا وتكرارا، لكونهم بالتحديد عُينوا من الخارج واكتسبوا شرعيتهم في غفلة من الزمن ، ودون اختيارهم شعبيا،  وإذا سُئلوا عمَّ حققوه للثورة والسوريين خلال السنوات، التي كان عليهم العمل خلالها لإسقاط مؤامرة قدم الشعب أكثر من مليون شهيد لإفشالها !. والآن: ما الحل؟ هل يقبل أعضاء الائتلاف بلجنة محايدة من خارج الائتلاف تقيم أعمالهم ونتائجها وتضع معايير كفاءة تقاس بها أفعالهم، يتقرر على أساسها استمرارهم أو إبعاد ضررهم المقصود وغير المقصود عن الثورة اليتيمة؟ إنهم سيرفضون هذا الاقتراح، لأن تطبيقه ليس في صالحهم، فهل يقبلون بدائل وحلول أخرى كعرضهم على جهاز فحص الكذب، وهو لن يتطلب غير دقائق قليلة، لن يضيع بعدها وقتهم السياسي الثمين، وستكون براءتهم مقبولة بما أن الجهاز معتمد قانونيا في معظم دول العالم، وأن من يتجاوزه بنجاح يستمر في عمله، بينما يحال غيره إلى محاكمة قضائية تحاسبه على الجرم الذي ارتكبه. هذا الاقتراح سيرفض أيضا، لأننا سنرى بعد الفحص ائتلافا غير ثوري، تخترقه أجهزة مخابرات متنوعة وتتلاعب بعديد من أعضائه، الذين انتموا إلى الخارج مذ تم تأسيسه، وينصاعون لإرادته اليوم أيضا. بعقلية هؤلاء وخياراتهم، لن يقوم في سورية غير نظام ديكتاتوري تسلطي، لا يختلف عن نظام الأسد، لكنه أكثر انتشارا واتساعا منه، لأن الداعين إليه ينطلقون من خلفيات ثقافية، وسياسية / اجتماعية تحل الولاء محل الكفاءة والإخلاص للشعب والوطن.

يتذرع هؤلاء في تبرير دورهم بالقول: إن الشعب السوري تنقصه الخبرة الديمقراطية، وهذا صحيح. لكنهم نسوا أنهم هم أنفسهم سوريون أيضاً، وأنهم يتخذون موقفا معاديا للديمقراطية والشعب، فلماذا نمنحهم ثقتنا، إن كانوا لن يقدموا لنا ما يساعدنا على بلوغ حريتنا، وبناء نظام ديمقراطي بديل في وطننا؟

لا نريد التحامل على أحد، ولكن يجب وضع الأمور في نصابها، فسوريا، وبعد هذا الدمار الهائل الذي تعرضت له طيلة نيف وخمسين عاما، تحتاج إلى كل من يحمل خبرة تعينها على إعادة بناء نفسها. لذلك، نطالب الائتلاف بالتوقف عن إبعاد السوريين عنه، وخاصة منهم أصحاب الكفاءات، الذين من واجبه البحث عنهم وضمهم إلى صفوفه والإفادة من علمهم وخبرتهم. يسعى الائتلاف اليوم إلى ضم عسكريين قادة يفترض أنهم من خيرة مناضلي وثوريي سورية وصفوتها ، لكن العبرة ليست في ضمهم فقط ، بل هي أيضا في الإفادة منهم لإعادة انتاج ائتلاف تنشط فيه قوى وشخصيات جديدة لها قاعدة شعبية حقيقية ، لهم دورهم المفصلي في إعادته كمؤسسة عمل وطني حقيقية إلى مرجعيته الرئيسة : شعبنا البطل ، الذي لا بد أن تقدم الحكومة الانتقالية له افضل الخدمات ، وان تلعب دورها في تغطية حاجاته ،وأن توسع دائرة علاقاتها الدولية والمحلية، تحت إشراف الائتلاف، وبالتعاون مع  منظمات مدنية وشعبية مستقلة وناشطة في الداخل أساسا .

 

اترك تعليقاً

scroll to top