الأردن وجوانب من الثورة السورية

 

 حذر الملك الأردني بصراحة منذ العام 2004 أنه إذا سيطرت أحزاب  سياسية «موالية لإيران على الحكومة العراقية الجديدة، فإن هلالا جديدا يمتد من إيران إلى العراق فسورية فلبنان يمكن أن يبرز، وهو ما يمكن أن يهدد توازن القوى في المنطقة ويمثل تهديدا للمصالح الدولية فيها» وفي العام 2011 م اندلعت الثورة السورية المباركة ونفذ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في منتصف العام 2012 م استطلاعا للرأي العام الأردني وخلص الى شبه اجماع لتأييد الثورة السورية بنسبة بلغت 82% ,وبينت كلمة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الشهيرة قبل نحو عام “لو كنتُ مكان الأسد لتنحيتُ” الموقف الرسمي للأردن المؤيد للثورة وإن كان بشكل غير مباشر

وحاولت السياسة الرسمية الأردنية إزاء سورية الترويج لفكرة «المناطق المحمية» منذ سنوات، وقد لعبت الدبلوماسية الأردنية دوراً نشطاً في الترويج لفكرة «الممرات الإنسانية» رغماً عن النظام السوري ، ومن ذلك مشروع القرار الأردني رقم 2139 الذي أقره مجلس الأمن بالإجماع في 22 شباط 2014، بعدما نزعت منه روسيا صلاحية تنفيذه بموجب الفصل السابع، أي بالقوة، وقد كان قراراً حمّل الدولة السورية مسؤولية «انتهاكات حقوق الإنسان في سورية»! وقد تبعه قرارٌ آخر هو قرار مجلس الأمن رقم 2165 في 15 تموز 2014، أي قبل عام تقريباً، شُرِّع لإدخال المساعدات الإنسانية عبر معابر من تركيا باب السلام وباب الهوى ، والعراق اليعروبية ، والأردن الرمثا ، وهو ما أسس «مشروعية دولية» لإقامة معابر لا تخضع لسلطة النظام السوري، أي أنه أسس لاختراق ما يسميها نظام الأسد بالسيادة السورية بذرائع إنسانية، وقد جاء ذلك جزئياً ثمرةً لجهود رسمية أردنية، فأسس بذلك لفكرة المناطق العازلة.

  واليوم و الثورة السورية المباركة في عامها الخامس استقبلت خلالها المملكة الهاشمية اللاجئين السوريين وأحسنت معاملتهم وأكرمت ضيافتهم حتى أن نسبة كبيرة من الفارين بأطفالهم ونساءهم دخل سوق العمل الأردني على الرغم من ضعف الإمكانيات الاقتصادية للمملكة وتحمُلها من قبل اللاجئين العراقيين ،وامكانياتها الاقتصادية المحدودة أصلا تستعد اليوم للإعلان عن إقامة منطقة عازلة جنوب سوريا، يمكن أن يتلوها، ووفقا للتطورات الميدانية، إعلان ثان عن منطقة عسكرية ممنوعة عن الجيش السوري في مساحة أكثر عمقا داخل الأراضي السورية، وفقا لتقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية.

  لإن الأردن أصبح موقنا أن المنطقة العازلة أصبحت أمرا مفروضا عليه أمام المخاطر الجدية التي تتهدد أمنه القومي واستقراره  ، مع وقوعه بجوار سوريا والعراق، البلدين شبه الفاشلين أمنيا بسبب عدم قدرتهما على السيطرة على مناطق واسعة من اراضيهما. وأضاف التقرير أن الأردن لم يعد مخيرا بين إنشاء المنطقة العازلة جنوب سوريا وعدمه، مع تزايد المؤشرات على قرب سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الأراضي السورية المتاخمة لحدود المملكة الشمالية.

ويقول محللون إن استيطان تنظيم الدولة الاسلامية على الحدود الأردنية سوف يغريه بنقل معركته إلى عمق الأراضي الأردنية في مسعى شديدة الخطورة لتوسيع الأراضي التي يسيطر عليها فعليا في سوريا والعراق، وهو توسع قد يمكنه من استيعاب أي ضربة قد يتلاقاها لاحقا بطرده من المناطق التي يسيطر عليها في العراق.

لهذا أصبح الإعلام الرسمي الأردني يتعمد  طوال الفترة الماضية التوسع في التحدث عن أنشطة عسكرية في الأراضي السورية المحاذية لحدوده مع تفقد مستشار العاهل الأردني العسكري رئيس هيئة الأركان المشتركة الفريق أول ركن مشعل الزبن لقوات الجيش على الحدود، لتهيئة الرأي العام الأردني المؤيد أصلا لتوغل قوات بلاده  داخل الأراضي السورية بعد أن باتت منطقة الرمثا الأردنية في مرمى الصواريخ السورية يوميا. وتزامن هذا مع اجتماعات عسكرية بدأت في مقر السفارة الأمريكية في عمان، وسبق ذلك تقديم كل الدعم اللوجستي لغرفة العمليات الدولية المشتركة في الأردن. المعلومات التي كشفت عنها صحيفة عكاظ لدرء اي خطر طارئ يمكن أن يأتي من الصراع السوري المحتدم منذ اربع سنوات.

  ووفقا للمرجعيات السياسية الأردنية فإن ملفات متعددة أجبرت عمان على التفكير بالمنطقة العازلة، أولها حماية المدن والقرى المحاذية للحدود من أي تهديد، والسبب الثاني هو محاولة الحد من تدفق اللاجئين إلى الداخل الأردني وإنشاء مخيمات لهم داخل حدود دولتهم ضمن المنطقة العازلة، أما الثالث فهو مواصلة تدريب المعارضة السورية ودعم العشائر لمواجهة داعش . ورابعها إقامة منطقة آمنة على الحدود الأردنية مع سوريا، والتي تمتد إلى الحدود الجنوبية لمحافظتي درعا والسويداء في الجنوب السوري بما في ذلك مدينة درعا، مهد اندلاع الاحتجاجات السورية في 2011

وبهذا الصدد كشف رئيس الوزراء الاردني عبدالله النسور جانبا من نوايا الأردن لإقامة المنطقة العازلة جنوب سوريا عندما تحدث عن احتمال إعلان شمال الأردن الذي يستقبل الملايين من اللاجئين السوريين، منطقة منكوبة وهو الإعلان الذي لن يكون إلا بموجب قرار لمجلس الأمن الدولي.

ويقدر وزير الخارجية الأردني ناصر جودة أن يدعم المجتمع الدولي موقف بلاده الساعي إلى إقامة منطقة عازله في عمق الأراضي السورية المتاخمة لشمال الأردن وذلك انطلاقا من النصوص الدولية القانونية التي “تتيح للدول الأعضاء في المجتمع الدولي اتخاذ تدابير أمنية مناسبة لحماية أمنها الوطني في مناطق النزاع الحدودي التي لا تسيطر عليها دولة جارة .

وبالفعل باشر الأردن بنشر تعزيزات عسكرية على حدوده الشمالية مع سوريا والشرقية مع العراق بهدف رفع الجاهزية الدفاعية لصد أي هجوم محتمل أو عملية اختراق للحدود، حسب مصدر عسكري، فيما تبنى مجلس النواب الأمريكي بصورة سريعة أمس الثلاثاء قانونا يهدف إلى تسهيل بيع الأسلحة للمملكة، عبر تصويت شفوي، على أن يصوت عليه لاحقا مجلس الشيوخ.

لأن فكرة تأسيس منطقة عازلة جنوب سورية أو شمالها للمناسبة لها أنصارها في الإدارة الأميركية، ومن ذلك مثلاً رسالة أعضاء بارزين في مجلس الشيوخ الأميركي للرئيس أوباما تدعوه لإقامة مناطق عازلة في سورية، بحسب وكالة «رويترز» التي نشرت منها مقتطفات في 21 نيسان 2015. وجاء رد وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر أمام مجلس الشيوخ في 5 أيار 2015 أن إقامة مثل تلك المناطق في سورية سيكون صعباً، وسيتطلب من الجيش الأميركي القيام بعمليات عسكرية كبرى. لكن جزءاً مما قاله كارتر للشيوخ كان حرفياً: «الدول المحاذية لسورية لن تدعم فكرة المناطق الآمنة أيضاً…». إذن، الإيحاءات التركية والأردنية بأن الدولتين على وشك إقامة مناطق عازلة في سورية، ثم الإشارة إلى أنهما، على لسان أوغلو والنسور، لن تتدخلا، بل ستدعمان القرار الدولي بإقامة مناطق عازلة تؤيدهما، كانت عبارة عن مداخلة في الحوار الداخلي الأميركي، وجزءاً من معارضة رفض الرئيس أوباما إقامة مثل تلك المناطق في خضم السعي للتفاهم مع إيران، وهو ما عبر عنه جون كيربي، الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، بالقول: لا حاجة لإنشاء منطقة عازلة في سورية. والمهم في المنطقة العازلة أساساً، بالطبع، هو ضرورة تعطيل القدرات الجوية للجيش السوري من أجل تطبيقها، ما يُراهن على أنه يمكن أن يقلب ميزان القوى داخل سورية بشكل حاسم.

في هذه الأثناء أحبطت السلطات الأردنية  مؤخرا وبعد السعي العلني من قبلها لإقامة منطقة آمنة «مخططاً إرهابيا» يستهدف المملكة كان سينفذه عراقي يدعى خالد كاظم الربيعي (49 عاماً) منتمٍ إلى «فيلق القدس» الإيراني  الذي يُعتبر من قوات النخبة في الحرس الثوري الإيراني ومسؤول عن عمليات خارج حدود إيران اقليمياً، ولأول مرة وصفت الأوساط الرسمية الأردنية كمية متفجرات “إيرانية” تم ضبطها بحوزة شخص عراقي في الأردن بانها “كبيرة جدا وشديدة التفجير وهي الأضخم منذ عشر سنوات”. وعبّر كُتاب وسياسيين عن نكرانهم للفعل الإيراني حيث قال النائب في البرلمان الأردني محمود خرابشة، إن الأطماع الإيرانية في المنطقة بأكملها بدت واضحة ليست في سوريا واليمن والعراق، إنما في الأردن أيضا. وهي تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار فيه، من خلال اعتمادها على أشخاص ينفذون عمليات إرهابية وأن يصبح لإيران موطئ قدم جديد في المملكة.وأضاف الخرابشة أنه من الضروري مواجهة الأطماع الإيرانية في المنطقة، ومن جهته، قال الباحث الأردني في الشؤون الإسلامية حسن أبو هنية لـ ”العربية. نت” أنه من المتوقع أن الأردن سيقوم بالرد على إيران عن طريق ضرب مصالحها، من خلال زيادة دعم المملكة لسوريا والعراق واليمن، مبيناً أن فشل العملية الأخيرة تضاف إلى سلسلة الانتصارات والمكاسب التي تحققها قوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية للحفاظ على أمن واستقرار المملكة.

إن ما يجري على الساحة الأردنية وسعي المملكة الهاشمية الحميم لإقامة منطقة عازلة يؤكد الحقائق التالية :

  • الوعي المبكر والتنبه للمخطط الإيراني في المنطقة والذي تجلى بدعم العاهل الأردني للعشائر في مدينة الأنبار العراقية بعد أن تخلت عنهم الحكومة المركزية لصالح الحشد الشعبي وهذا ماجاء في بيان تحالف القوى العراقية أبرز التشكيلات السياسية السنية ،والحذر منه الذي تجلى بيقظة المملكة لاختراقات أمنية تحدثها إيران تمثلت باحباط التفجير الإرهابي الذي كان سينفذه الربيعي المجند من قبل المخابرات الإيرانية .
  • اهتزاز التوازن للقوى الداعمة للنظام الأسدي على رأسها إيران التي تحاول بأعمال إرهابية الهروب إلى الأمام من المأزق التي تورطت به في سوريا .
  • أصبح لدول المنطقة دورا جوهريا ومحورا في السياسة الإقليمية بعد انسحاب أو غياب الدور الأمريكي الذي يجب أن يكون من المفترض واضح المعالم.
  • المملكة الأردنية ساهمت  وستبقى تساهم في تقديم العون للثورة السورية المباركة بجميع مجالاتها العسكرية والسياسية والمدنية ، جنبا إلى جنب مع تركيا والسعودية وقطر والامارات العربية المتحدة وغيرهم، وأن هذا الخيار استراتيجي.

بقلم النقيب رشيد حوراني

والله غالب على أمره

 

 

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top