إلتفاف روسيا بتصريحاتها على المعارضة و النظام معا :

هكذا ، ومن دون مقدمات ، ذاب الثلج و بان المرج ، ظهر المرج على حقيقته و ظهرت الطحالب و الأشنيات بعد أن سقطت آخر أوراق التوت الصفراء اليابسة ، و العاجزة بعد الآن عن ستر عورة روسيا و إخفاء نواياها الخبيثة في سورية ، فانكشف موقفها الدنيء المتذبذب حسب مصالحها ، و تجلى مخططها البعيد كل البعد عن إيجاد حل موضوعي أو حتى قاعدة يستطيع أحدا من الفرقاء البناء عليها حلا مستقبليا يلبي مطامح الشعب السوري ، فلقد تبين للعالم بأسره أن رهن الأزمة السورية بيد روسيا وحدها هو نسف شامل لجميع مقومات الحل السياسي الذي لطالما تغنى به الجميع و طبل له بوتين على وقع المجازر التي أرتكبتها طائراته في أرياف حلب و حماة و إدلب .
– إذا ما بين تصريحات روسية مؤيدة لبقاء بشار الأسد و تصريحات أخرى مناوئة لبقائه ، تقبع السياسة الروسية الجوفاء ، فاقدة أدنى درجات المصداقية و الوضوح ، وعاكسة مدى التخبط والارتباك الذي تعيشه،لتصبح بذلك دولة غير مؤهلة لقيادة حتى اجتماع يختتم بمقررات واضحة المعالم ، فالمتابع الدقيق لسلوك السياسة الروسية في سوريا يكتشف بسهولة أن روسيا كانت عاجزة عن تنفيذ أصغر قرار صدر عن مسؤولييها حتى لو كان القرار أو التصريح متعلق بإخراج جريح من منطقة محاصرة ، فهي الدولة العظمى كما تصف نفسها ، الصغرى كما بات يراها السوريون جراء مجازرها و إفراط كذب مسؤوليها ، لن تجد بعد اليوم آذان صاغية لما يقوله صناع القرار فيها و طهاة الأزمات ، وعلى سبيل المثال عن التناقضات في التصريحات السورية ، ففي تصريح خاص لوكالة سنا قال العقيد الركن فاتح حسون رئيس اللجنة العسكرية في الوفد المفاوض في الأستانة 8 : ” أن الجانب الروسي أخبرهم أن الحل في سوريا أصبح أوسع من مسألة بقاء أو إزاحة بشار الأسد ، و أن الروس لن يصروا على بقائه في سدة الحكم بعد اليوم ” ، و في أقل من ثمان و أربعون ساعة عاد رئيس الوفد الروسي للمباحثات الدولية حول سوريا ألكسندر لافرينتييف ليصرح :” أن لا مكان في سوتشي لمن يطالب برحيل الأسد ” ، تصريحات متناقضة يطلقها المسؤولين الروس يمينا و شمالا ، يحاولون من خلالها الإلتفاف على المعارضة و النظام معا ، إذ أن النظام لا يملك قبول أو رفض أي إملاءات روسية ، تبقى المعارضة و بالرغم عن كل ما يقال عن تشتتها إلا أنها متمسكة مجتمعة بمطلب رحيل نظام الأسد و رفض أي حل يحمل في ثناياه إعادة أنتاج المذكور بأي حال و في جميع الظروف ، و هذا ما ظهر جليا من خلال رفض جميع أطياف المعارضة المشاركة في سوتشي التي تزمع روسيا عقده و تسوق له من خلال تصريحات متناقضة و غير واقعية ، الأمر الذي أوقعها في أزمة سياسية نتيجة فقدان المؤتمر للشرعية الأممية، فعادت إلى زيف تصريحاتها كالعادة و على لسان بوتين هذه المرة الذي قال: ” أن مؤتمر سوتشي يجب أن يكون تحت مظلة الأمم المتحدة ” في محاولة منها – اي روسيا – للخروج من المأزق السياسي التي أوصلها إليه غبائها من جهة و إفكها المفرط من جهة أخرى .
و للإجابة على سؤال مفترض قد يسأله القارئ ، لماذا صدقت المعارضة الإدعاءات الروسية بالرغم من أن سياستها منذ اليوم الأول كانت مبنية على الكذب و التضليل و إزدواجية التصريحات ، الجواب هو أن تصديق روسيا بشأن بعض التصريحات المناوئة للنظام كان حلم أفرزه اشتداد الضغط الدولي على المعارضة في جميع المجالات السياسية و العسكرية و المادية الذي وصل إلى درجة القطيعة ، وكان الجميع يتمنى أن يتحول هذا الحلم إلى حقيقة و لكن عند وصوله إلى نقطة إعادة إنتاج بشار الأسد و نظامه ، فإن هذا لن يقبل به أحدا من الأحرار .
وفي النهاية أن الكذب و التضليل الذي تبنته السياسة الروسية في تعاملها مع الثورة السورية في سبيل الوصول إلى مصالحها و تحقيق أطماعها ، لن يجد نفعا معها بعد الآن ، بل إن روسيا أضحت بحاجة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى تنفيذ خطوات حقيقية على أرض الواقع تعيد شيئا من مصداقيتها المستنزفة في سورية ، بعد أن فقد المجتمع الدولي بأسره الثقة بما يتفوه به المسؤولون الروس .

اترك تعليقاً

scroll to top