إعلام.. خمسة أعوام من الدماء

hhhhhhhh

الصحافي: مصعب السعود

خمسة أعوام مضت ومازالت الثورة السورية في مربعها الأول الذي انطلقت منه، لم يتغير شيء عدا أن حجم إجرام عصابة القتلة ومرتزقته المشاركين كمصاصي الدماء في فيلم هوليودي ضخم بلغ مستويات جنونية نسف معها حتى متعة المتابعة التي رغب بها الجميع، بعد زوال إثارة الفيتو الروسي، ليتحول تعاطيهم مع أبشع حرب إبادة عرفها التاريخ المعاصر، من قضية شعب يطلب الحرية والكرامة والعدالة إلى أزمة لاجئين وباحثين عن حياة مادام إعلام الثورة الرسمي في سبات.

مئات الآلاف من القتلى وأكثر من ثلثي السوريين مشردين ولاجئين وعشرات الآلاف من المفقودين والمعتقلين ونصف مليون مصاب، ومدن وقرى وبلدات ضاربة في التاريخ باتت بقايا ركام، وكتائب معارضة مازالت تستجدي سبيل الوحدة من قادتها الذين اختنقوا في زواريب الداعمين وحب السيطرة والظهور .. لقد كان من المفترض أن تكون تلك اللوحة الحقيقية المشبعة بالدماء مذ نحو 1800 يوم، سبباً في تزايد التضامن الإنساني من قبل ما يسمى بحركات المجتمع المدني العالمية التي يرسم تحركها سياسات الدول ومواقفها الرسمية فتضغط على حكوماتها لإيقاف الحرب المسعورة وتكون طرفاً داعماً في تقديم القتلة للعدالة الدولية، الأمر الذي لم يحدث بل على العكس لمسنا تراجعاً في تأييد ودعم ما يسمى “أصدقاء الشعب السوري” منذ بداية العام 2013 وظهور “داعش”، كما تحول التعاطي الإعلامي من قبل مؤسسات إعلامية دولية عريقة إلى حد يمكن وصفه أقرب لتسويق رواية نظام الأسد عن “الإرهاب” دون أن تلفت انتباههم المجازر الموثقة التي ترتكب بحق الشعب الثائر لحريته يومياً، فضلاً عن أن الرأي العام الذي يفترض أن يناصرك القضية بدأ يثور من الخوف على هويته وثقافته واقتصاد دولته الذي بنية على أكتافه، وهو يرى آلاف اللاجئين المختلفين معه فكريا ودينيا واجتماعيا يفدون لبلاده ويقاسموه لقمة عيشه.
كل ذلك التراجع يعود حقيقة لفشلنا الإعلامي الثوري الرسمي خلال تلك السنوات، إذ تسلط على هذا الاختصاص الهام أفراد تعاملوا معه على أنه شركة علاقات عامة لتلميع بعض الشخصيات، دون علم ودراية بكيفية وضع الاستراتيجيات وإدارة الأزمات وصنع الأخبار وحتى إدارة (مطبخ التحرير)، بينما اعتبره آخرون باب للانتفاع والرزق الغير مشروع ومنبراً للشهرة ، وبقي غارقاً في الفكر السياسي المسيطر على المعارضة منذ تشكل المجلس الوطني حتى تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات وما بينهما.
لم يستطع الإعلامي الثوري الرسمي أن يكون مصدرا للمعلومة حتى اللحظة عن الثورة في حين استطاعت أجهزة مخابرات النظام جعل (المرصد السوري) مصدرا مهماً للمعلومة بالرغم من أن كل صحفيي ونشطاء الثورة الذين يزودون كبريات وكالات الإعلام بالمعلومات بشكل شخصي كانوا مستعدين للعمل مع مؤسسة تجمعهم وتحتضنهم.
لم يستطع الإعلام الثوري الرسمي أن يقرأ بشكل صحيح طبيعة المجتمعات الغربية التي تؤثر في صناع السياسيات واتخاذ القرارات لذلك لم يضع الاستراتيجية الصحيحة لكيفية التأثير فيها، فاعتمد على تغطية المظاهرات في تلك الدول التي كانت هامة في بداية الثورة نتيجة الأعداد العظيمة المشاركة وشعارات الولاء للشعب المرفوعة والتي تحولت في السنوات الأخيرة إلى مظاهرات ولاءات وأيديولوجيات بأعداد رمزية وبحركة شبه روتينية جعلت حتى الشارع الغربي يمل وجودها.
لم يستطع الإعلام الثوري الرسمي فتح خطوط التواصل مع هيئات الاعلام الدولية الفاعلة وصناع القرار من السياسيين وغيرهم واكتفى بنقل بيانات هزلية عن زيارات ولقاءات لبعض قيادات المعارضة تضمنت عبارات الشجب والإدانة وبعض التصريحات المستهلكة.
لم يستطع الإعلام الثوري الرسمي برغم كل الدعم الذي قدم له خلق قناة تلفزيونية مستقلة جامعة لكل الصحفيين المنشقين عن مؤسسات النظام والنشطاء العاملين في المهنة أو راديو مستقل أو جريدة مستقلة أو حتى موقع مستقل يعمل بهم أهل الخبرة وتكون خارجة عن سلطة السياسيين وتوجهاتهم.
لقد أضاع الإعلام الثوري الرسمي نتيجة عدم كفاءته إمكانية التأثير خلال الأعوام الماضية في كل المؤتمرات الدولية وفوت على الثورة فرص غاية في الأهمية لنقل صوتها وحقيقة ما يجري والتأثير في الرأي العام الدولي.
لقد تبنى الاعلام الثوري الرسمي أسلوب بعض القنوات العربية التي وجدت في الحرب السورية مادة دسمة لتسويق نفسها على حساب الثورة وأهدافها حتى استساغ المشاهد رائحة الدماء وبات التأثير فيه شبه معدم.
لقد نسف الإعلام الثوري الرسمي نتيجة تخبطه خلال السنوات الماضية الكثير من المبادئ والقيم السامية التي تحلت بها الثورة ودخل في صراعات جانبية سياسية وحزبية في وقت كان يفترض فيه التحلي بالموضوعية والمهنية ما تسبب في ضياع غالبية الحاضنة الشعبية.
إن المهن التي لا تعطي لأهلها مصيرها الفشل حتماً، وقد جربنا خمسة أعوام من الدماء.
الإعلام الذي لا يقوم على خطة استراتيجية يضعها أهل الخبرة وفق مراحل زمنية دقيقة يكون نتاجه غوغائيا بلا معنى وبلا فائدة، وأيضا جربنا خمسة أعوام من الدماء.
الإعلام الذي لا ينهض بالمجتمع المحلي فكرياً وسياسياً وثقافيا واجتماعياً وحتى دينياً لن يستطيع التأثير في الرأي العام الدولي وصناع القرار فيه، وجربنا خمسة أعوام من الدماء.
الإعلام الذي لا يكون كبندقية المقاتل ضد الأعداء لن ينفع، هذا علم واختصاص له أهله وله قواعده وليس شركة علاقات عامة لتلميع أحد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top